في أروقة صاحبة الجلالة عشرات المصطلحات الخاصة بالمهنة، وعلى وجه التحديد ما يتعلق منها بالجوانب الفنية كالتصميم والعناوين وحجم الحرف ونوعه، غير أن هناك مصطلحات اخرى شائعة وعامة وليست حكرا على اهل الصحافة، من ذلك مثلا (سقط سهوا)، فهذا التعبير بالذات يعد واحدا من مشكلات المهنة المحرجة، لان الجريدة يفوتها احيانا تثبيت اسم الكاتب على مقالته، او قد تسقط في اثناء التنضيد مفردة او جملة من المقالة ولا ينتبه لها المصحح، من شأنها إرباك الصياغة او قلب المعنى رأسا على عقب، وفي هذه الحالة يلجأ المطبوع اما الى التنويه والاعتذار عما سقط سهوا، او اعادة نشر الموضوع كاملا اذا كان صاحبه شخصا مهما، او من جماعة الحكومة، او قد يتجاهل القضية، ولا يعيرها بالا، اذا كان الكاتب مثلي لا يمتلك عينا حمراء!!
بالطبع كلنا معرضون للسهو، ولهذا (كان) اغلب اصحاب الدكاكين يرفعون لافتة صغيرة تقول (الغلط والسهو مرجوع للطرفين), على ان اطرف ما في الامر هنا، هو انني نسيت الفكرة التي اود الكتابة عنها سهوا، ولهذا لا يسعني الا الاعتذار من الجميع، حيث انصرف بالي وانشغل ذهني بقضية سياسية قديمة، تعود الى ايام الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003، فقد سبقت عملية الغزو العسكري، حملات اعلامية لا مثيل لها في الحجم والنوع، وهي تنعت صدام بقائمة من (التهم المؤكدة) على حد تعبيرها، لا أول لها ولا آخر، فهو المجرم والقاتل والدكتاتور والفاشستي، وهو عدو الشعب ومرتكب جرائم عظمى ضد الانسانية و .. و .. الخ.
غير ان قوات الاحتلال، ما ان اطاحت بصدام ونظامه، واستتب لها الامر، حتى اخذت الحملة الاعلامية تميل نحو التهدئة، وشيئا فشيئا بدأ قاموس الولايات المتحدة السياسي يتخلى عن هذا النعت او ذاك، الى الحد الذي وصل فيه الى الاعلان الرسمي عن تبرئة ساحة صدام من أخطر قضية أقامت الحرب، او قام الاحتلال من اجلها، وهي (حيازة اسلحة الدمار الشامل)، وهو أمر يثير الريبة والحيرة والتساؤل، ويؤدي بالنتيجة الى سوء الهضم الفكري، فإذا كان صدام لا يمتلك مثل هذه الاسلحة التي تهدد أمن العالم وسلامه فلماذا الغزو والاحتلال، ولماذا حدث ما حدث؟
مع إنني لا اجادل في شخصية هذا الرجل المريضة، والمبنية على حب الذات والدكتاتورية وعشق القتل وتصفية الآخر، ولكنني واثق في الوقت نفسه، ان اليوم الذي ستعلن فيه الادارة الاميركية عن ندمها على كل ما حصل في العراق ليس بعيدا، وحين تسأل ساستهم:
لماذا فعلتم اذن ما فعلتم، ولماذا اطحتم بالنظام، عليك ان لا تفاجأ بالرد التالي:
نعتذر.. لقد اسقطنا صدام حسين سهواً!!

