في أوائل العقد التسعيني من القرن الماضي، نشرت مقالة ساخرة أتحدث فيها عن الايفادات الصحفية التي هيأت لي فرصا نادرة لزيارة فرنسا وألمانيا والهند وايطاليا والنرويج والقاهرة والسويد والمغرب واليابان واسبانيا والصين وجزر القمر، وكشفت في نهاية المقالة إنني لم أغادر إلى خارج العراق، ولم احصل على إيفاد إعلامي، وان ابعد مكان تم إيفادي إليه صحفيا هو مدينة الحلة، أما البلدان التي زعمت انني زرتها ورأيتها من فرنسا الى جزر القمر، وتناولت وصف طبيعتها ومعالمها، فلا تعدو كونها معلومات استقيتها من زملائي الموفدين بعد عودتهم من تلك البلدان!
عندما حضرت في اليوم الثاني إلى مقر عملي صباحا في مجلة «ألف باء» اخبرني موظف الاستعلامات، ان رئيس التحرير، الزميل كامل الشرقي، يريد ان اذهب اليه في مكتبه (فورا) قبل ان اذهب الى مكتبي، وتوجهت اليه فعلا، لأفاجأ بأنه يطلب مني ان أهيئ جواز سفري (على السريع) لأنه اصدر أمرا إداريا بإيفادي إلى خارج العراق لمدة أسبوعين!!
الحقيقة.. كنت نسيت قضية المقالة ولذلك سألته عن السبب وراء هذا الامر الاداري المفاجئ.. وألححت في السؤال لكي أقف على علة ذلك القرار المباغت، ولان بيني وبين الرجل صداقة وطيدة، وقديمة جدا، فقد اعترف لي ان وزير الإعلام بعد اطلاعه على المقالة اتصل به وسأله بطريقة ساخرة (هل حسن العاني صحفي من العراق أم من إسرائيل؟!)، ولم يفطن الشرقي الى سخرية الوزير، واخبره بأنني صحفي عراقي (مشهور)، وهنا سأله الوزير مجددا (اذا كان عراقيا ومشهورا كما تقول عنه، فلماذا يتم استبعاده من قائمة الايفادات)، كان الوزير كما اخبرني الشرقي في غاية الانزعاج.. غير أنني اعتذرت لرئيس التحرير، كوني لا املك جواز سفر، وكان العذر واهيا، فقد ابلغني ان احضر صورا فوتوغرافية، والمجلة تتولى متابعة الجواز وإصداره، ولانه الح في طلبه لان الوزير زعلان، فقد قلت له لم يأت برغبة منك وإنما بطلب من الوزير الذي لولاه لم تفكر بإيفادي.. فلا تتعب نفسك)، وعبثا ذهبت محاولاته لإقناعي، وحين يئس سألني (ماذا أقول للسيد الوزير.. إنها مشكلة)، قلت له (اخبره إنني أنا الذي اعتذرت عن الإيفاد، لان أوضاعي الصحية ليست على ما يرام)، وهكذا انتهى اللقاء وغادرت مكتبة ممتلئا بالزهو!!
بعد يومين، وفيما كنت منكبّاً على مكتبي لإنجاز مادة صحفية للمجلة، فوجئت بالوزير يقف (فوق رأسي)، فنهضت وصافحته ووضع الرجل كفه في كفي وأخذني في جولة بين ممرات «ألف باء»، واستفسر عن صحتي، ومن اي شيء أشكو بحيث اعتذر عن الإيفاد، وكما كذبت على الشرقي بحكاية المرض، كان عليّ أن أتدبر كذبة جديدة للوزير عن نوع المرض، خاصة والرجل يصر على إرسالي إلى المستشفى بتوصية منه، وأقنعه بان السفر يتعبني، وحالتي لا تستوجب أكثر من الراحة… وأيقنت لحظتها –وما زلت- أن ثلاثة أرباع الأخطاء التي يرتكبها الكبار هي من صناعة الصغار.

