لم أتطيّرْ من كلمة شاذة، مريبة ونابية، من تلك التي يحويها قاموس الكلمات المعيبة والمحرمة أخلاقيا، مثلما أتطير من كلمة (فساد) وهي تلعن وتعفن أي مجال يرد بعدها من مجالات الحياة الكثيرة والمعروفة بتفرعاتها، لكن أن يقترن الفساد بالعلم (الذي هو نور، والجهل-طبعا- ظلام) فذلك أمر يجب ألاّ يمرّ مرور الكرام، نعم ندرك -تماما- بأن الاتفاق أصل والاختلاف فرع، فقد يختلف هذا الحزبي أو ذاك على مسألة معينة، وقد تختلف هذه الكتلة مع غيرها، أو ذاك الائتلاف مع غيره، لكن الوطنية الحقة، يجب أن تترفع على الاختلاف السياسي بكل أشكاله، لكي يبقى السؤال: (الوطن أم الحزب؟) هو الأهم، ولعل الإجابة عليه ستفتح أفواه الجروح تلو الجروح، أمام ريح ذلك السؤال القاسي، حتى لنخشى على حياتنا الراهنة برمتها أن تميل صوب رياح الفرع (أي الاختلاف) وتترك الأصل (أي الاتفاق) جراء استشراء ذلك الداء، متمثلا بالفساد الذي راح يدبّ في جميع المفاصل حتى بات ينخرها، فلم تعد تنفع وصفات وعقاقير اللافتات والإعلانات التي تعلقها فروع وأصول هيئات النزاهة ودائرة المفتش العام في مباني واستعلامات الوزارات والدوائر، ومفترق الطرق الخارجية، كي تنبه وتحذر من تفشي ظواهر الفساد عبر الرشاوى وقبول الهدايا والعطايا المشبوهة، ولعل من أكثر ما يحيرني ويثير استغرابي نص العبارة المرصوفة بتصميم أنيق وخط واضح ورشيق، والتي عادة ما تصادفني مكتوبة على لافتات (الفلكس) في عدد من ساحات بغداد المهمة، وهي تقول بالفم المليان: (نتصدى للفساد باحترام الزمن)، ولا أعرف كيف يتم ذلك التصدي، ونحن نرمي بالوقت هباء (ممطوطا) في أبسط مراجعة لانجاز أبسط معاملة.
قبل أكثر من عامين، كلفت من قبل إحدى القنوات الفضائية بعمل برنامج عن مكافحة الفساد، بالتعاون مع إحدى منظمات المجتمع المدني، وجمعت ما جمعت من معلومات وإحصائيات ودراسات، كما اتصلت بعدد من الخبراء والمختصين في مجالات لها علاقة بموضوع البرنامج الذي اخترت له عنوان (نحو النزاهة) وكان من أهم وأدق البحوث والدراسات العلمية والعملية تلك الدراسة التي للقاضي والباحث الصديق (د.سالم الروضان) تحت عنوان (حين يسهم القانون بالفساد) ليس من مجال -هنا- لمناقشة كل ما فيها من وقائع وتأكيدات قانونية تفند حقيقة ما حمله وأراد مناقشته ذلك العنوان الواقعي والمثير من معلومات وايضاحات مباشرة إلى الكيفية التي يسهم فيها القانون بالسماح للفساد أن يتغلغل و(يأخذ راحته) في الكثير من القضايا والإجراءات تحت خيمة ومظلة ما يمكن أن يسمى بـ(تصادم القوانين).
وتأتي اليوم فرضيات أكاديمية تؤكد وتشير الى تفشي ظاهرة (الفساد العلمي) عبر تزوير الرسائل الجامعية وسرقة الأبحاث وهجرة وتهجير العقول بسبب سطوة بعض القوانين والتعليمات، فضلا عن ممارسات إدارية تنتهجها بعض الجامعات، لتبرهن على وجود سلسلة من القصير والفساد، تبدأ من المدارس التي لا تعلم الطلاب بما ينبغي ويؤهلهم لكي يواصلوا مسيرة، ولا تنتهي إلا بتفشي تلك الظاهرة-المصيبة، التي تقــــربنا من مقولــــة السيد المسيح (ع) الشهيرة: إذا فسد الملح).

