لم يرس علماء النفس على مرسى تعريف موحد، يلملم شمل معنى كلمة (الإبداع) يتغلغل عميقا في نسيج وثنايا عملية معقدة وشائكة، يكون الذكاء فيها الركيزة الرئيسية، بل الأساسية في تواجد هذه الطاقة الخلاقة، ذات العلاقة الوثيقة بنواتج الخلق والإبداع، عبر نواحي الجدة والابتكار، ولكي نلمس صعوبة ذلك التعريف، لمجرد ان نعرف بأن للذكاء -وحده- أكثر من (168) تعريفا متناوبا -تبعا للمستوى والدرجة- ما بين ذكاء محدد وآخر مفتوح/ ذكاء عام وآخر خاص/ ذكاء علمي وآخر عملي/ لتطول.. وتطول قوائم التعريف بخصوص تصنيف الذكاء، بسبب سعة الميادين التي تتطلب توافرها لهذه القدرة، والتي نشترك بها مع بعض الحيوانات من أنواع الشمبانزي و القردة (وجر… أيدك) لإيجاد تفاهم عام لمعنى الذكاء.
لذا أتفق العلماء المختصون على هذا التعريف الموجز للذكاء بأنه (القدرة على حل المشكلات التي يواجهها الفرد أثناء حياته)، بعد كل هذا العناء في تعريف الذكاء، كيف بنا التوصل الى أصول تعريف الإبداع، الذي يحوي ويشمل على الكثير من الفعاليات العقلية والذهنية والفكرية في شتى صنوف المعرفة، رغم أننا نمنح ألقابا جزافا –من باب المجاملة والتعود- لكل من هب ودب، في عموم مجالات الحياة، ونسمي من نشاء بالمبدع دون معرفة دقيقة لما تعنيه هذه الكلمة ومصطلحها الواسع الشاسع والمفتوح على مصراعيه باتجاه كل تلك المفاصل والاتجاهات.
ومن خلال معرفة مناسيب الذكاء وفحص المواهب وتغذيتها بالطريقة الصحيحة التي تجعل من الابداع قدرا وفعلا ملموسا، بعد تضافر عدة عوامل وملكات من شأنها أن تتضح وتتبلور لتشكل نفعا عاما للمجتمع والحياة، فلا شيء ترميه الحياة أمامنا يمكن إهماله أو مجرد إغفاله -على الإطلاق- قد تعلق اهتمامنا فيه ومهما كان ذلك الشيء بسيطا أو عابرا، وقد لا يثير اهتمام أحد غيرنا… اذا ما سمحنا لأنفسنا بلصق صفة أو شارة الإبداع عليها، وفي محاولة للاقتراب من تجارب بعض المبدعين بشهادة الانجاز الذي قدموه للحضارة، كذلك بثقة علماء التشريح ممن تسنى لهم دراسة وفحص دماغ الرسام الاسباني (بيكاسو)، سنرى كيف أجاب هذا الفنان بأصوله العربية/ الأندلسية حول سؤال مفاده: (كيف توصلت الى هذا الحد من الابداع والخلق عبر إيجاد وابتكار ثلاثة أساليب واتجاهات في مجالات الرسم الحديث؟) إذ اكتفى موضحا بالقول -فقط- وبهذه العبارة الموجزة: (من خلال التهام المواهب الصغيرة) وحين أستوضح السائل مستغربا…كيف؟ أكمل (بيكاسو) بما معناه: كنت إذا زرت معرضا أو شاهدت لوحة لرسام مهما كان عمله بسيطا أو متواضعا، عادة ما أجد خطا جيدا أو ضربة فرشاة عابرة أو أي ملمح، أحاول هضمه والتهامه في مخيلتي، ثم أعيد إنتاجه بالطريقة التي تناسب وعي ومقدرتي، من هنا صنعت موهبتي…. يبتسم و يستدرك ليضيف: (إذا كان لي ثمة موهبة).!!
بالمناسبة يعد (بيكاسو) هو الفنان التشكيلي الوحيد من الأحياء في العالم الذي رأى لوحاته معلقة على جدران متحف (اللوفر) في باريس عاصمة الثقافة والنور… يا جماعة الخير.

