دفاع بعض الكتّاب عن بعض السياسيين في هذه المرحلة الحرجة التي يمرُّ بها العراق، يبدو نوعاً من الجنون، وهو، في كل حال من الأحوال، يكشف عن انجرار هذا البعض من الكتّاب وسقوطهم في فخِّ السياسي واصطفافاته.
فعلى جانبي الصراع يبدو السياسي باحثاً عمن يسانده، ويدعم توجهاته، الأمر الذي يجعل الكاتب يقع -لا محالة- في الفخاخ التي تنصب للعراقيين جميعاً, هكذا.. يتحول الكاتب من صانع للرأي العام، الى فرد متلق ضمن الرأي العام ذاته، ومن موضح لالتباسات المشهد السياسي بحيادية، إلى مناصر لجهة على حساب جهة أخرى، مما يفقده حياديته، وبالتالي مصداقيته.
ومناسبة قولي هذا، هو ما تتضمنه أعمدة الصحف العراقية اليومية من اصطفافات سياسية مفضوحة منذ أن بدأ أهالي الأنبار احتجاجاتهم، أولاً، على اعتقال حماية وزير المالية رافع العيساوي، ليتحوَّل هدفها إلى المطالبة بحقوق وواجبات على الحكومة الخضوع لها، أو استمرار المتظاهرين بتظاهراتهم التي بدأت تتسع دائرتها يوماً بعد آخر.
المشكلةُ هنا، إن الكثير من الكتاب لم يبادر الى تشريح الموقف ككل، ولم يعرِّف أهداف ونوايا وخلفيات بعض المتظاهرين ضدَّ الحكومة، ولا أولئك المصطفين معها. بتعبير آخر، لم يحدد اولئك الكتاب مدى شرعية مطالب المتظاهرين، ولم يساعد على تحديد الجهة التي عليهم أن يطالبوها بحقوقهم.
ثمَة من اتخذ شخص رئيس الوزراء مثالاً لفشل الحكومة، وهو بالتأكيد يتحمَّل جزءاً من هذا الفشل، بينما اتخذ جانبٌ آخر رئيس البرلمان والقائمة العراقية مثالاً لفشل الحكومة، وهي أيضاً جزء من هذا الفشل.
لم يَقم هؤلاء الكتّاب بالكتابة عن أهمية تقسيم الادوار وإيضاح صلاحيات كل جهة التي بإمكان المتظاهرين الضغط من خلالها على أحد تلك العناوين السياسية لهدف تحقيق مطالبهم، بل أنهم شجّعوا هذا الضغط، وقاموا بصبِّ الزيت على النار؛ فضلاً عن المساعدة بتأجيج النفس الطائفي الذي خمد قبل أعوام قليلة، إذ بدأت العبارات الطائفية الرنانة تعودُ إلى الواجهة. وبدأ بعض الكتَّاب -على جانبي الصراع- ينسلخون عن “طوائفهم”، لأن هذا السياسي أو ذاك ينتمي إليها. وبدأ بعض الكتاب بتأجيج الصراع أكثر. وبدأت التهم تتسلل إلى التظاهرات المؤيدة و…المعارضة أيضاً.
ثمَّة أمر يجب الوقوف عنده: التظاهر حقٌّ مكفول للجميع، هذا ما بات يتردد، لكن التظاهر لأجل ماذا؟ هذا ما يجب أن يفسَّر، المطالب التي تستطيع الحكومة تحقيقها قام بتحقيق جزء منها وهي الإفراج عن المعتقلين -على الرغم من النسبة البسيطة التي أُفرج عنها- إلا أنها تعدُّ بادرة خير لانفراج الأزمة، فضلاً عن تحقيق رواتب تقاعدية من المشمولين بقانون المساءلة والعدالة. أما عن قانون المساءلة والعدالة وقانون 4 إرهاب، فهذا من صلاحيات مجلس النواب، والذي يجب أن تعمل عليه الكتل السياسية المنضوية تحت قبّته، والتي تتصارع كل يوم على شاشات الفضائيات من أجل تحقيق مطالب التظاهرات. هل فعلاً هؤلاء المتصارعون يبحثون عن مطالب المتظاهرين؟ وهل يبدو الاصطفاف لجهة مقابل جهة أخرى صحيحاً؟ أم أن الجميع في سلَّة واحدة؟.

