Pdf copy 1

*  قبل فترة قريبة عدت من تونس بعد دعوة ادبية من ولاية سيدي بوزيد للمشاركة في مهرجانها الصيفي المنوّع؛ حتى اذا ما انتهت قراءاتي هناك؛ حملت رحلي الى العاصمة .

  وتونس تعني شرارة الربيع العربي الذي(اندلق) في الشوارع ف(تزحلق) الحكام والرعاة وسط ضحك ودموع الرعية والمحكومين.

ومن الطبيعي ان يحاول زائرها اكتشاف ماهية هذه المدينة الاعجوبة التي اشعلت الفتيل ولم تجلس متفرجة على حرائقه وانما بقيت تذكيه بمتغيراتها السياسية والثقافية والاجتماعية .

* ومثلما لكل المدن وجهان ؛ فلتونس- العاصمة- وجهان ايضا؛ الوجه الاول ممثل ب(المدينة القديمة) والتي لا يمكن لك ان تعرف تاريخ هذا البلد من دون ان تشمّ روائحها . والوجه الاخر هو الوجه السياحي؛ المقترن بالإسمنت والشوارع النظيفة وواجهات المقاهي المنتشرة على طول شارع(ابو رقيبة) الذي يشابه بالكثير من الوجوه شارع(الشانزليزيه) الفرنسي؛ لان الفرنسيين صمموه هكذا اثناء احتلالهم لهذا البلد؛ وليس الشارع وحسب؛ بل على مشارفه (حيث يقبع الحي العربي) نصبوا بوابة مستنسخة من بوابة النصر الباريسية .ما لفت انتباهي في تونس القديمة؛ هو المحافظة على طرازها العمراني القديم؛ سواء بالدرابين الضيقة.. بالمدارس الدينية(أبوابها العالية واطواقها الداخلية؛ ذكرتني بالمدرسة المستنصرية وان كانت لا تضاهيها عظمة او سعة في البناء؛ لكن الحكومة والاهالي حولوها الى معلم سياحي محافظ عليه ويستهوي الاخرين  لتلمس التاريخ عبر خشب الابواب وشقوق الحياطين )

في هذه الازقة قرأت اكثر من يافطة مكتوبة على الجدران بالسبريه او البويا: تونس الديمقراطية– من مشنقة بن علي الى لحية السلفي!!

لكن لحية السلفي تعاملت واقعيا مع طبيعة البلد وطبيعة الناس؛ فلم تحاول فرض(الحملة الايمانية) كما طبقها النظام السابق؛ وكما يسعى اليها الان بعض(متدينينا) دون ان يطبقوا الحلال والحرام على تعاملهم مع المال العام أولا!!

• ثمة مقهى اسمها(باريس كافيه) تتوسط شارع ابو رقيبة؛ دلني عليها الصديق والاستاذ الروائي عبد الرحمن الربيعي؛ لكون صالتها مبردة( وكنت قد جلبت الحر من العراق معي) كما ان بعض الادباء التوانسة والعرب يلتقون فيها ؛فاتخذتها محطتي الاثيرة حتى من دون الربيعي؛ ولم تغرني صالتها المبردة بقدر ما اغرتني كراسيها المتناثرة على الرصيف العام؛ إذ بإمكانك مراقبة السواح ومن كل جنسيات العالم؛ متلازمين..متلاصقين..متحاضنين؛ ببناطيل جينز؛ بشورتات قصيرة؛ بملابس بلا اكمام..بإكمام معلقة بخيوط فقط؛ وفي وسط هذا المشهد المتداخل؛ تمرّ بك بنات بحجاب اسلامي؛ ونساء محتشمات الى الاخر؛ يتنوّع المشهد : شباب بلحى وشباب مساطيل وشباب يعيدون اليك الايمو العراقي ولكن لا وجود لل(بلوكات)هنا!!

الرقابة ذاتية؛ والمعيار الاخلاقي لا تقرره الملابس.. وانما ثقافة التعامل مع الناس؛ واحترام قناعاتهم .

• تونس : مدينة اسطورية..لا تملك حقول نفط ولا كبريت ولا فوسفات ولا مخزون من الغاز؛ لكنها تملك(حضارة معاصرة) لا تشبه تلك التي نتباهى ب(قدمها) دون ان ينعكس ذلك على سلوكنا الاجتماعي.

حفظ الله تونس الخضراء.. وادام نعمة الخضار عليها .

التعليقات معطلة