* قبل ايام سألني الصديق الشاعر والاعلامي حسن عبد الحميد عن مقتطع من قصيدة لشاعر عربي يقول( في هذا العالم المملوء اخطاءا / مطالب وحدك الا تخطئا) والقصيدة بمجملها تتحدث عن الرجل الذي يمتهن السير على الحبال من ارتفاعات عالية لتسلية الجمهور بحثا عن رزق حلال؛ مهنة مميتة لا تحتمل الخطأ ؛ فالخطأ هنا معناه الموت ولا تكرار للتجربة.
* ذكرتني هذه القصيدة بحال الاطباء لدينا؛ فقد اصبح الخطأ في مهنتهم الانسانية يعني الاعتداء عليهم والتهديد بالقتل والتهجير والتجاوز اللفظي واستخدام الاسلحة البيضاء والسوداء وصولا الى الفصل العشائري!!
فهل يعقل هذا؟
هل نطالب الطبيب ان يكون ساحرا يجترح المعجزات ويبتكر الحلول العصية على العلم ومشيئة الله ؛ حتى اذا فشل في(دليفري)طلباتنا حمّلناه – لوحده – مسؤولية تقادم عمر الاجهزة الطبية وامكانيات المستشفيات الضعيفة ونقص الادوية ومنشئها الرديء وانعدام الكهرباء وغياب الكوادر المساندة ؛ متناسين انه بشر مثلنا وليس لديه اعضاء بشرية مضافة على اعضائنا كان تكون لديه 7 اصابع في كل يد و3 عيون واكثر من انف ؛ ولذلك – وبسبب امتيازه هذا – عليه ان يعاند القدر المحتوم وينقذ من قرر عزرائيل ان لا انقاذ له!!
* الاعتداء على الاخر دون وجه حق ؛ امر يحرمه الدين الاسلامي مثلما تحرمه الاحاديث النبوية والشرائع والاعراف والتقاليد ؛ وهذا الامر يخص الاخر– اي آخر– فكيف اذا كان هذا الاخر هو واحد من ابنائنا النجباء الذين سالت عيونهم على الكتب المدرسية من اجل تحقيق طموح لا انبل منه وهو ان يكون احدهم طبيبا ؛ يشعر ان مهمته مرتبطة برضى الله والوالدين لكونها تتعلق بإنقاذ الارواح ومواساة الجراح ولو كلفه ذلك راحته الشخصية وراحة عائلته.
* قبل ايام عتب علينا- نحن الصحفيين – احد اطباء مستشفى الكندي(الدكتور خالد العسل) لأننا لم نول ظاهرة الاعتداء على الاطباء الاهتمام الذي تستحق على الرغم من انها تتفاقم ؛ وسط غياب تشريعات حكومية تردع المعتدي وتوقف من يهمّ بذلك عند حدّه ؛ اما اذا احسّ من مسه ضرر او تضرر مريضه بسبب اهمال طبيب ما ؛ فهناك وزارة الصحة وهناك قانون ينصفه ؛ وبإمكانه تقديم شكوى رسمية ؛ وعندها لا احد يلومه على تصرفه الحضاري هذا .في ايام الانفلات الامني والجثث التي كانت تتوافد بالعشرات الى مستشفياتنا ؛ والجرحى الذين تنقلهم سيارات الاسعاف وسيارات الاهالي وهم بالمئات؛ لنتساءل مع انفسنا من كان يستقبلهم في ردهات الطوارئ؛ خصوصا وان بعض الفصائل المتناحرة كانت تتبع ضحاياها الى المستشفيات للإجهاز عليهم وعلى من يحاول انقاذهم .
* الدول التي تعيش ظروفا مرعبة مثل ظروفنا تسنّ قوانين لجرائم الحرب ؛ واظن ان لا جريمة تعلو على جريمة الاعتداء على ذوي الصدريات البيضاء..
وبدون هذه القوانين سنستيقظ – هذا اذا استيقظنا – لنجد ان كل العيادات محلات لبيع الدشاديش .

