Pdf copy 1

صفاء خلف

بطبعهم العراقيون، طيبون وثرثارون، كائنات اجتماعية تمنح المقابل مساحات مفتوحة من التداخل، فهي تخاف الانغلاق، لأنه ببساطة يعني العودة إلى زنازين الشك والوحدة والاغتراب، وأكثر ما يخافه العراقيون الإصابة بالاغتراب، هذا هاجس مرضي عصي على الشفاء، فالأرض والأهل غالبا ما يخضعان لاشتراطات التبدل السياسي والعسف وضرورات أمن «السادة».كان سرجون الأكدي، يأخذ عائلات أمراء الدويلات والمدن كرهائن عنده في بابل، مخافة التمرد عليه، فتلك الممالك غالبا ما تكون في بقع نائية أو عائمة في مجاهل الأهوار الجنوبية أو مغاور الجبال الصعبة، لذا ترسخ الخوف الغريزي من عدم التواصل.وحين خلق الحرف السومري، مسماريا، كان علامة لافتة للغة غير ثرثارة على غير هوى أهل البلاد، وعلاماتها مكثفة المعنى والرسم على حد سواء، فما أسعفت اللغة.. اللسان، فكان اغترابا أولا بين المنطوق والمكتوب، لذا لم يرحب العراقيون كثيرا بمسماريتهم، لكونها لغة المعابد الممجدة للآلهة من ناحية، ومن أخرى الموثقة لانتصار ملوك الجهات الاربع، ولم يحضر العراقي كفرد في الرقم الطينية كقيمة، بل كان هامشا كالعادة.الثرثرة العراقية أصلها أمومي، في مخالفة للانقلاب الجذري بتحول المجتمع الآن إلى الذكورة، العراقيون في أصلهم التديني الوثني «أموميون»، ولأن الأم عراقيا ترسخ في الطفل «عقدة جنينية»، فمنذ اللثغة الأولى يتحول العراقي إلى كائن جائع وشره للأمومة التي تشيخ وتتيبس ومن ثم تنفصل عنه، ومع الانفصال ينمو هاجس الاغتراب، فالعراقيون ملتصقون بفكرة الأم الحانية، لكنهم مقسورون على هجرتها نحو الفحولة، لذا يستعيرون ثرثرة «الأم» حينما يكبرون.تويتر، كائن أزرق بخيل، عجول ونرجسي ونزق، يفرض اشتراطاته كأنثى مغرورة، لا يطيق كثيرا الحضور الكثيف، ولا يحب الانسجام والألفة، هو كائن مجبول على الانفصال، طفل بروح معدنية، لا يعترف بهاجس الأمومة الذي تجده فسيحا في «فيسبوك»، لذا «تويتر» مخادع ومخاتل، يهب الشح على أنه كثرة! الطائر الأزرق يحوم في الغرفة الكونية، يتراكض مثل موجة اغترابية عظيمة في الفجوة البشرية، يصنع نموذجه وسلوكه معه، يميل إلى التكثيف والإخبار المباشر، هو أسلوب تواصل غير مهذب، يحصرك في زاوية ضيقة وباردة مفرغة من الأنسنة، ويحول شبكة المشاعر والأحاسيس إلى أسلاك وحشية، اكتب 140 حرفا فقط! لا مجال للتحية أو المجاملة أو التعبير عن شوق او اعتذار، اكتب فقط ما تريده، وكأن العالم روبوت عديم الألفة يتلقى الأوامر فقط، والبشريون هم مرتزقة من مخلفات مصانع الشرائح الالكترونية. نسبة العراقيين على تويتر، قليلة للغاية، أو لا تكاد تذكر، وحتى وجودهم هناك تشعر كأنه تواجد صلف، شاحب مثل وجه الميت، يحار العراقي أمام حقل الكتابة الضيق، هذا كائن تعوّد على الثرثرة.. كيف له أن يكثف مكبوتاته الشاسعة في لحظة اليكترونية خاطفة؟ منذ سرجون، الديكتاتور الأول في حقل البشر المهانين تاريخيا، والعراقيون يتعلمون الكبت والصمت، ويعلمون صغارهم حركة الأصبع الواقف على باب الفم «أششش»، فيما تهوي أكفهم الثقيلة على فم «النسوان»، والصمت يلد الصمت، والعزلة تفرخ عزلة، فيما الثرثرة تتسع في النفس وتضيق بالمكان. المسمارية هي لغة تويترية بامتياز، مصفوفة رموز حادة، لغة اخبارية ناشفة، ضعها في الحقل ولا تحتاج حتى إلى ضغط الرابط، فالروح مضغوطة أصلا بالعسف.

التعليقات معطلة