Pdf copy 1

علي حسين عبيد 
إن إشكالية المناهج في التعليم، تحتاج الى تأن وصبر، ومطاولة في قضية المعالجة، ولا بأس في الافادة من الخبرات والكفاءات المشهود لها في هذا الجانب، في الداخل، وكذلك في الخارج، فهناك دول وشعوب عانت من قضية المناهج، وانعكاسها السيّئ على حياة الناس، إذ في الغالب تخلق لهم مشكلات كبيرة تتعلق في عملية توحيد الأمة او الشعب، إذ بالامكان ان تصب مشكلة المناهج في تأجيج الخلافات بين مكونات المجتمع الواحد.
يحدث هذا عندما لا تستند المناهج التدريسية الى العلمية والحقائق، فمثلا عندما نتناول مادة التاريخ، فإننا سوف نقع في حالات تناقض متعددة، من حيث ما يرد من اخبار ومواقف وحوادث تاريخية، يتم نقلها وتدريسها لمئات الآلاف من الطلبة، ولأجيال متتابعة منهم، فإذا كانت الامور التاريخية لا تستند الى الحقائق، سوف ينعكس ذلك على التعليم المجتمعي، وسوف يسهم في تأجيج الصراعات والتصادمات بين الطوائف والمكونات المختلفة.
وبدلا من أن يكون التاريخ عامل توحيد للشعب، يكون عامل تفريق وتشتيت له، من هنا لابد من أن تنطلق كتابة المناهج الدراسية ليس للتاريخ وحده، بل الى المناهج التعليمية كافة، لابد من أن تنطلق من العلمية الحيادية، ومن الصدقية التي لا يصح إهمالها لأي سبب كان، لاسيما أن هناك تحريفا كبيرا في هذا المجال، من لدن كتاب السلاطين، أولئك الذين حرّفوا الوقائع كما يريدها الحاكم وليس كما حدثت في الواقع آنذاك.
لا يتوقف الأمر على المناهج ذات الطابع التاريخي، فهناك مناهج علمية بحتة، يمكن أن نعثر فيها على التلكؤ والثبات وعدم مواكبة العصر العلمي المتسارع، فالجمود في المناهج التعليمية، دليل على عقلية جامدة ترفض الابتكار ولا تسعى إليه وربما لا تسمح به، وهناك تجارب كثيرة خاضتها البشرية في هذا المجال، كما حدث في القرون الوسطى، او الفترة المظلمة من التاريخ الاوروبي، والسيادة المطلقة لمحاكم التفتيش ومحاربتها للعلماء آنذاك.
المقصود بالقصور التعليمي، هو عدم قدرة التعليم على مواكبة ما يستجد علميا في مسار التطورات العالمية، ويعني القصور وجود خلل ذاتي في المنهج التعليمي نفسه، أي ان فحواه ومضمونه لا يرتقي الى عنوان (منهج علمي)، والسبب في قصوره الذاتي، وعدم كفاءته، وضعفه او انعدام الفائدة منه بسبب تقليدية المنهج نفسه.
واذا عرفنا أن التطور البشري قائم على عملية التعليم، فإننا يمكن أن نقدّر فداحة ما تتعرض له شعوبنا ودولنا الاسلامية من حيف وتأخّر في هذا المجال، بسبب إهمال القائمين على إدارة العملية التربوية والتعليمية لجانب مهم يقع في لبّ التعليم، ألا وهو تحديث المناهج بما يصب في صالح (العصرنة العلمية)، وهي تعني باختصار إمكانية مجتمع ودولة ما على التعامل العصري مع كل ما يتعلق بالعلم.
وعندما نحاول أو أن نستشهد بأمثلة عن هذا المجال، نقول ان معظم المناهج العلمية، تعاني من النواقص في هذا الجانب، وعندما نقارن مستوى هذه المناهج في دول متقدمة، سوف نجدها تتفوق على مناهجنا بكثير، كما اكد ذلك خبراء في التعليم، الأمر الذي يتطلب مبادرات عملية مدروسة للتصدي لهذا الفشل والقصور الواضح، إذ انك لا يمكن أن تبني مجتمعا متقدما من دون مناهج علمية متقدمة ومتميزة.إن الخطوات الإجرائية في هذا المجال، ينبغي أن تلقى الاهتمام الكبير من صنّاع القرار، ولابد من أن يصغي هؤلاء الى الخبراء في مجال التعليم، فكثير منهم يقترح إعادة النظر في المناهج الموجودة بشكل دقيق وكامل بما يواكب العصر وحاجة المجتمع والتطلّع الى المستقبل، وما موجود فان معظمه يعد من المناهج التقليدية (الفاشلة)، وهي مجموعة من المواد الدراسية التي تعود الى حقب ماضية، لا تنسجم مع المرحلة الراهنة.
وهناك بعض المقترحات التي لابأس من الأخذ بها من أجل تحقيق قفزة كبيرة في واقع التعليم، لاسيما ما يخص تحديث المناهج التعليمية، ومعالجة مواطن الخلل فيها، من هذه المقترحات:
–    اعتماد لجان متخصصة في مجال تحديث المناهج، لها الكفاءة والخبرة الكافية في هذا المجال.
–    الاستفادة القصوى من الخبرات الداخلية والخارجية في مجال تطوير المناهج.
– الأخذ بنظر الاعتبار تجديد المناهج بما يحقق تحديثا جوهريا مع الاحتفاظ بالخصوصية.
– تغيير المناهج التقليدية وإعطاء الابتكار والتحليل فرصا أهم وأكبر.
– الحفاظ على الإرث الثقافي ينبغي ألا يمنع الافادة من التجارب الاخرى في مجال تطوير التعليم، ضمن القيم والضوابط المتعارفة.
– التحديث والمعاصرة لا تعني تقليد الآخر (المتقدم) تقليدا أعمى.
– على صناع القرار، توفير التمويل اللازم لتهيئة قواعد العمل التي تساعد في تحديث المناهج كافة.

التعليقات معطلة