Feature

دعاء هزاع الجابري

لم تعد الفضائح الكبرى صدمات مفاجئة بل تحولت إلى محطات كاشفة في مسار عالم يتقن إخفاء جرائمه خلف لغة ناعمة وشعارات إنسانية ، لذلك فتسريبات ” أبيستين ” لم تكن حدثا معزولا بل لحظة انكشاف نادرة لمنظومة دولية طالما ادعت الطهر الأخلاقي ، بينما كانت تدير في الخفاء شبكة مصالح لا تعترف بدين ولا بإنسان ، فضمن هذا العالم لم تعد المنظمات الدولية مجرد أدوات إغاثة أو حماة لحقوق الإنسان بل تحول بعضها إلى أذرع سياسية وأمنية واقتصادية تعمل وفق أجندات تتجاوز حدود الدول وتخترق المجتمعات تحت غطاء الشرعية الدولية ، وما يظهر في التقارير تلك ليس سوى واجهة متقنة تخفي وراءها ما هو أخطر وأكثر تدميرا ، والأخطر من ذلك أن هذه المنظومة لا تعمل من الخارج فقط ، بل تجد لها شركاء في الداخل في ” الشرق ” كما في الغرب ، شركاء يفتحون الأبواب ويبررون الاختراق ويقايضون السيادة بالبقاء ، ليصبح السؤال من هنا : من ارتكب الجريمة؟ بل : من سمح لها أن تستمر؟
فلم تكن تسريبات أبيستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة بل كانت نافذة انكسرت فجأة فأظهرت ما كان يدار في العتمة منذ عقود ، حيث الصدمة لم تكن في الفعل وحده بل في حجم الشبكة وفي عدد الأسماء وفي مقدار الصمت الذي سبقه ، ومن هنا سقطت رواية ” المنظمات الدولية ” بوصفها حارس القيم ، وتبين أن كثيرا منها لم يكن سوى واجهة أنيقة لمنظومة قذرة ، فما كشف لا يمت بصلة للدين ولا للإنسانية ولا لأي منظومة قيم ، ومع ذلك لا يزال الخطاب الرسمي في الغرب يصر على تقديم تلك المؤسسات بوصفها ضمير العالم بينما هي في الواقع أداة من أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني ، تستخدم حينا للضغط وحينا للاختراق وحينا لتبييض الجرائم تحت لافتة ” حقوق الإنسان “ غير أن الخطأ القاتل هو الاعتقاد بأن هذا الانحراف حكر على الغرب ، فالشرق ايظا وبالأخص كثير من دولنا العربية ، لم تكن يوما بمنأى عن هذه الشبكات بل على العكس فقد تحولت بعض أراضينا إلى ساحات مفتوحة لمنظمات ” إنسانية ” تدار بعقل ” استخباراتي ” وتحمى بقرارات سياسية محلية ، وتغذى بتواطؤ نخب حاكمة ترى في هذه المنظمات ضمانة بقاء لا خطرا وجوديا ، فتفتح لها الأبواب باسم ” الإغاثة ” وتمنح التراخيص باسم العمل الخيري ، ثم يبدأ العمل الحقيقي خلف الجدران وهو : تحريك الشارع ، جمع بيانات ، هندسة وعي ، اختراق مؤسسات ، تمويل مشبوه ، وحتى تمهيد لتدخل سياسي وعسكري لاحق ، فليست كل الجرائم تجارة بشر مباشرة ، فأخطرها تلك التي تتاجر بالدولة نفسها ، بسيادتها ، وبقرارها ، وبمستقبل شعوبها. والأشد مرارة أن هذا كله لا يتم دون شركاء محليين من قادة ومسؤولون ونخب يوقعون الاتفاقيات ويغضون الطرف ويمنحون الغطاء ، ثم يخرجون على شعوبهم بخطاب السيادة والاستقلال ، ليصبح الفساد هنا عابرا للحدود وتتحول الدولة بذلك إلى مجرد وسيط في صفقة أكبر منها ، وعندما يستدعى الدين إلى هذا المشهد ، فذلك لا يكون إلا كقناع إضافي ، فالدين ” كل الأديان ” بريء من هذه الأفعال ، فلا الإسلام ، ولا المسيحية ، ولا أي عقيدة سماوية ، لها علاقة بهذه المستنقعات ، لأن المشكلة ليست في الدين بل في الإنسان حين يفرغ القيم من معناها ويستخدمها كسلاح وغطاء ، نعم هناك مسلمون منخرطون في هذه المنظومة كما هناك غيرهم ، لكنهم لا يمثلون دينا ولا أمة بل يمثلون سقوطا أخلاقيا فرديا تحول إلى شبكة منظمة
إن أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تسقط الدول دفعة واحدة بل تنهكها ببطء ، حيث تبدأ بتآكل الثقة ثم تفكك المؤسسات ثم اختلال القيم العامة ، ثم يتحول الفساد إلى قاعدة والصمت إلى سياسة والتواطؤ إلى ” واقعية سياسية ” ، ففي الغرب بدأت النتائج تظهر من : انقسام مجتمعي حاد ، فقدان ثقة شامل بالمؤسسات ، تصاعد الشعبوية ، انهيار أخلاقي يسبق الانهيار السياسي ، فالدول التي كانت تتغنى بالقانون باتت عاجزة عن محاسبة رموزها ، لأن الشبكة أكبر من الدولة نفسها ، وفي الشرق المشهد أكثر خطورة لأن الدول أضعف والمجتمعات أكثر هشاشة والأنظمة أكثر خوفا من الحقيقة ، فهنا لا تسقط الدول فقط ، بل تفرغ من معناها ، وتبقى الأعلام وتختفي السيادة ، تبقى الخطب ويغيب القرار ، تبقى الجغرافيا ويسرق المستقبل
إن استمرار هذه الأفعال إن لم يحاسب اليوم فإن الغد سيكون شاهدا لا يرحم ،
شاهدا على دول تفككت لأنها باعت أخلاقها ، وشعوب ضاعت لأنها صمتت طويلا ، ومنظومة عالمية انهارت لأنها ظنت أن الكذب يمكن أن يستمر إلى الأبد ، فأبيستين لم يكن النهاية بل كان الإشارة ، ومن لا يقرأ الإشارات يقرأ السقوط متأخرا ، حين لا يعود هناك ما ينقذ .

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *