Feature

المستقبل العراقي/ متابعة

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي
ان الحربين الاخيرتين اللتين شنتا على الجمهورية وأسلوب وكيفية رد وتعاملها مع الاحداث كانت قد لعبت دورا مهماً وأساسياً من أن تخرج الجمهورية الاسلامية من النطاق الاقليمي الى النطاق العالمي وتصبح من الارقام الصعبة في اي معادلة دولية .
عند القراءة في ديناميكيات السياسة الخارجية والاستراتيجية العسكرية نجد إن
الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتموضع في قلب التفاعلات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تُدير علاقاتها الإقليمية والدولية بناءً على معادلة دقيقة ومعقدة تجمع بين أدوات التحفيز (Stimulation/Incentivization) واستراتيجيات الردع (Deterrence). تحاول طهران من خلال هذه الثنائية الحفاظ على أمنها القومي، وتوسيع نفوذها الإقليمي، ومواجهة الضغوط الدولية المكثفة، لا سيما الغربية منها.
فيما يلي تحليل لأبعاد هذه الاستراتيجية المزدوجة وكيفية توظيف إيران لها في بيئة إقليمية مضطربة.
أولاً: استراتيجية الردع الإيراني (عقيدة الدفاع الصارم)
تُدرك إيران الفجوة التكنولوجية والتسليحية بينها وبين خصومها التقليديين (مثل الولايات المتحدة وإسرائيل). لذلك، طوّرت عقيدة عسكرية تعتمد بشكل أساسي على الردع غير المتماثل (Asymmetric Deterrence)، والذي يقوم على ركيزتين أساسيتين:
1 – شبكة الحلفاء الإقليميين (محور المقاومة)
تُعد استراتيجية “الدفاع المتقدم” أحد أبرز أدوات الردع الإيراني. من خلال دعم وتوجيه أطراف حليفة في المنطقة (في لبنان، العراق، اليمن، وسوريا)، تمكنت طهران من نقل خطوط مواجهتها الأمامية بعيداً عن حدودها الجغرافية المباشرة. هذا النفوذ يمنحها القدرة على خلق جبهات متعددة تفرض تكاليف باهظة على أي طرف يفكر في توجيه ضربة مباشرة لها.
2 -ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة (الردع التكنولوجي المتاح)
استثمرت إيران بشكل مكثف في تطوير برنامج صاروخي محلي يُعد الأكبر في المنطقة، إلى جانب طفرة نوعية في صناعة الطائرات المسيرة (UAVs). هذه الأسلحة لا تهدف فقط إلى الاستخدام الهجومي، بل تُمثل أداة ردع لمنع أي هجوم على منشآتها الحيوية، من خلال القدرة على ضرب أهداف استراتيجية وممرات الملاحة الدولية (مثل مضيق هرمز وباب المندب).
ثانياً: أدوات التحفيز (الدبلوماسية البراغماتية والمناورات السياسية)
بالتوازي مع لغة القوة، لا تتخلى إيران عن أدوات “التحفيز” أو التهدئة الدبلوماسية عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. تهدف هذه السياسة إلى تفكيك التحالفات المضادة وتخفيف الضغوط الاقتصادية.
1 – الانفتاح الإقليمي وتهدئة الجبهات
تجلّت أدوات التحفيز الإيرانية في توقيع اتفاق المصالحة مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية، والانفتاح المستمر على دول الخليج العربي. تسعى طهران من خلال هذا التحفيز الإيجابي إلى:
عزل إسرائيل إقليمياً ومنع تشكيل حلف عربي-إسرائيلي ضدها.
تقديم نفسها كشريك مستقر قادر على ضمان أمن الخليج إذا ما تم تحييد التدخلات الخارجية.
2 – تحفيز القوى الدولية (الشراكة الشرقية)
توظف إيران علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين كأداة تحفيز جيوسياسي واقتصادي. من خلال تزويد موسكو بالتكنولوجيا العسكرية، والانضمام إلى تكتلات دولية مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”، تحفّز طهران هذه القوى العظمى لدعم موقفها في مجلس الأمن الدولي وكسر العزلة الاقتصادية المفروضة عليها.
ثالثاً: التفاعل بين التحفيز والردع (صناعة القرار المعقدة)
لا تعمل أدوات التحفيز والردع في السياسة الإيرانية بشكل منفصل، بل يتم تبادلهما بحسب مقتضيات المرحلة:
1 – الصبر الاستراتيجي والرد المدروس: تعتمد إيران غالباً على مبدأ “الصبر الاستراتيجي”، حيث تمتص الضربات الأمنية أو الاقتصادية وتختار التوقيت والسياق المناسبين للرد، مستخدمةً مزيجاً من الضغط العسكري عبر حلفائها، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة (التحفيز التفاوضي) لتحقيق مكاسب سياسية.
2 – معادلة الحسابات الخاطئة: إن الخط الفاصل بين الردع الناجح والانزلاق إلى مواجهة شاملة يبدو ضيقاً للغاية. فأي مبالغة في استخدام الردع (مثل الضربات الصاروخية المباشرة) قد تُفسر كإعلان حرب، في حين أن الإفراط في تقديم التحفيزات دون مقابل ملموس (مثل رفع العقوبات) قد يُفسر غريباً كضعف تكتيكي.
وهنا يمكننا القوا من أن الجمهورية الاسلامية تظل تتحرك بمرونة بين حدي التحفيز والردع. إنها تستخدم الردع لحماية بقاء نظامها السياسي وفرض حضورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وتلجأ للتحفيز والدبلوماسية لتخفيف الخناق الاقتصادي وبناء شبكات أمان إقليمية ودولية. في عالم يعاد تشكيله، ستبقى هذه الثنائية هي المحرك الأساسي لصناعة القرار في طهران، متأثرةً بحجم الضغوط الخارجية ومدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية.
إن نجاح إيران في إدارة هذه المناورة المعقدة بين التحفيز والردع على مدى عقود لا يعود إلى عامل واحد، بل هو نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد، وفهم عميق لطبيعة الخصوم، ومميزات جيوسياسية وبنيوية تميز النظام الإيراني.
يمكن تلخيص أبرز عوامل هذا النجاح في النقاط الاستراتيجية التالية:
1 – مرونة الأيديولوجيا وبراغماتية القرار (فصل العقيدة عن الممارسة)
رغم الخطاب الأيديولوجي الصارم والمعلن لطهران، إلا أن صناعة القرار الخارجي الإيراني تتسم ببراغماتية شديدة (Pragmatism) عند مواجهة الأزمات المصيرية.
تقديم المصلحة العليا: تتبع طهران مبدأ فقهياً وسياسياً يتيح تعليق بعض الشعارات أو تجميد المواجهات إذا كان في ذلك حماية لكيان الدولة (مبدأ حفظ النظام).
توزيع الأدوار: تتقن إيران لعبة “الشرطي الجيد والشرطي السيئ” داخلياً؛ حيث يرسل السلك الدبلوماسي والحكومة إشارات “تحفيز” وتهدئة للمجتمع الدولي، بينما يحتفظ الحرس الثوري بأدوات “الردع” والقوة، مما يمنح القيادة العليا هامشاً واسعاً للمناورة والتنصل من التبعات عند الحاجة.
2 – عقيدة “الصبر الاستراتيجي” وإدارة الوقت
تتعامل طهران مع الصراعات بمنطق “حياكة السجاد الإيراني” – أي الصبر الشديد والدقة المتناهية وتجنب الاستعجال.
1 – امتصاص الضربات: تنجح إيران في تفادي الانجرار إلى مواجهات شاملة لا تحبذها من خلال توظيف الردود المؤجلة أو غير المباشرة.
2 – استغلال الدورة السياسية للخصوم: تدرك إيران أن الأنظمة الديمقراطية في الغرب (خاصة الولايات المتحدة) تتغير كل 4 أو 8 سنوات وتتأثر بالرأي العام والانتخابات، بينما يتمتع النظام الإيراني باستقرار مركزي طويل الأمد يتيح له التخطيط لـعقود، مستغلاً تراجع حماس أو تغير استراتيجيات خصومه بمرور الوقت.
3 – اللامركزية الجغرافية للردع (العمق الإقليمي)
لم ينجح الردع الإيراني لأنه يمتلك التكنولوجيا العسكرية الأكثر تطوراً، بل لأنه موزع جغرافياً بشكل يصعب تحييده بالكامل.
معضلة الكلفة والعائد للخصوم: نجحت طهران في جعل كلفة أي هجوم مباشر عليها باهظة جداً على المستوى الإقليمي. فالرد الإيراني لن ينطلق من حدودها فحسب، بل يمكن أن يتحرك بالتزامن من جبهات متعددة في الشرق الأوسط، مما يجعل الخصوم يفكرون كثيراً قبل تجاوز الخطوط الحمراء، ويدفعهم للقبول بمسارات “التحفيز” والدبلوماسية كبديل أقل كلفة.
4 – التوظيف الذكي للجغرافيا السياسية والاقتصادية
تتحكم إيران بممرات ومفاتيح جيواستراتيجية فائقة الأهمية للأمن والطاقة العالميَّين.
ورقة مضيق هرمز: القدرة الضمنية على تهديد إمدادات الطاقة العالمية تمنح إيران أداة ردع اقتصادية هائلة.
تحفيز القوى الموازية: نجاح إيران في تقديم نفسها كشريك طاقة طويل الأمد وموقع ترانزيت حيوي لكل من الصين وروسيا (ضمن مبادرات مثل الحزام والطريق) سمح لها بتحفيز هذه القوى العظمى لتوفير شبكة أمان سياسية لها في مجلس الأمن، مجهضةً محاولات العزل الدولي الشامل.
5 – استغلال الفراغات والأخطاء الاستراتيجية للآخرين
جزء كبير من نجاح المناورة الإيرانية لم يكن بسبب قوتها الذاتية فحسب، بل بسبب قدرتها العالية على قراءة واقتناص الفرص الناجمة عن أخطاء خصومها:
الاستفادة من الغزو الأمريكي للعراق (2003) وأفغانستان (2001) للتخلص من خصوم إقليميين شرسين (نظام صدام حسين وحركة طالبان النسخة الأولى)، وملء الفراغ السياسي والعسكري الذي تلا ذلك.
استغلال اضطرابات “الربيع العربي” لتعزيز نفوذها واستعراض أدوات ردعها المتقدمة في عمق عواصم عربية متعددة.
أي أن الجمهورية الاسلامية نجحت لأنها تعاملت مع “التحفيز والردع” كـأدوات مكملة لبعضها وليست متناقضة. فالردع العسكري القوي هو الذي يعطي لـ “تحفيزاتها” الدبلوماسية قيمة، والتحفيز الدبلوماسي والانفتاح هو الذي يمنحها الوقت والمساحة لبناء وتطوير أدوات ردعها.
وهنا نطرح السؤال الاهم وهو:
هل على الجمهورية الاسلامية ان تختار بين التحفيز و المنارة ام عليها ان تناور بينهما؟!
الخيار الاستراتيجي الحتمي لإيران هو أن تناور بينهما دائماً، وليس اختيار أحدهما على حساب الآخر. في لغة العلوم السياسية والاستراتيجية، لا يمكن لأي دولة تواجه تهديدات وجودية وتتحرك في بيئة معقدة أن تعتمد على الردع الصرف أو التحفيز الصرف؛ فالعلاقة بينهما ليست علاقة “تناقض”، بل هي علاقة “تكامل وظيفي”.
إليك تفكيكاً لأسباب حتمية هذه المناورة المتبادلة وعدم إمكانية الفصل بينهما:
1 – الردع بلا تحفيز يقود إلى “حرب حتمية”
إذا اختارت إيران طريق الردع المطلق والتشدد العسكري المستمر دون تقديم أي هوامش “تحفيز” أو قنوات دبلوماسية، فإنها تضع خصومها أمام خيار واحد: اليأس من الحلول السلمية والدبلوماسية.المعضلة الأمنية: الردع الخشن والدائم يدفع الأطراف الأخرى (مثل الولايات المتحدة وإسرائيل أو القوى الإقليمية) إلى شعور بأن المواجهة العسكرية قادمة لا محالة، مما قد يدفعهم لشن ضربات استباقية، وهو ما تحاول طهران تجنبه.
لذلك، تحتاج إيران دائماً لتقديم “جزر” أو “تحفيزات” (مثل إبداء المرونة في الملف النووي، أو توقيع اتفاقيات تهدئة إقليمية) لكسر حدة الاستقطاب ومنح الخصوم بديلاً عن خيار الحرب.
2 – التحفيز بلا ردع يقود إلى “الاستسلام والتنازل المجاني”على الجانب الآخر، إذا اختارت إيران مسار التحفيز الدبلوماسي فقط وتخلت عن أوراق قوتها وردعها (مثل شبكة حلفائها، وبرنامجها الصاروخي، والمسيرات):
ستظهر طهران في موقف الضعيف المستسلم، مما يسيل لعاب خصومها لفرض شروط وإملاءات قاسية عليها دون تقديم أي مقابل.
القوة العسكرية والردع هما اللذان يمنحان “التحفيزات الإيرانية” قيمتها السياسية. فالخصم لن يتفاوض معك بجدية أو يقدم لك تنازلات (رفع عقوبات، اعتراف بنفوذ) إلا إذا كان يعلم أن البديل عن التفاوض معك سيكون مكلفاً جداً له.
3 – جوهر الديناميكية الإيرانية: “العصا والجزرة” الذاتية
المناورة الإيرانية تقوم على مبدأ تحويل الردع نفسه إلى أداة لإنتاج التحفيز، والعكس صحيح:
المساركيف يخدم المسار الآخر؟
تفعيل الردععندما ترفع إيران من وتيرة ردعها (مناورات، رفع تخصيب اليورانيوم، تحريك الحلفاء)، فإنها تخلق “أزمة” تدفع الغرب للبحث عن حل، وهنا تتدخل الدبلوماسية الإيرانية لتقديم التحفيز (الاستعداد للتهدئة مقابل مكاسب).
تفعيل التحفيزعندما تقدم إيران “تحفيزات” (اتفاقيات تجارية، كبح جماح بعض الحلفاء مؤقتاً)، فإنها تشتري الوقت الاستراتيجي اللازم لتطوير أدوات ردعها التكنولوجية والعسكرية خلف الستار.
وفي الاخيريمكننا القول ، بالنسبة لصانع القرار في الجمهورية الإسلامية، التحفيز والردع هما جناحا طائر واحد. الاستغناء عن أحدهما يعني سقوط الاستراتيجية بالكامل. النجاح لا يكمن في الاختيار بينهما، بل في “توقيت وسياق” استخدام كل منهما؛ متى تشهر طهران “عصا” الردع لفرض هيبتها، ومتى تمد “جزرة” التحفيز لتجني ثمار ذلك الردع دبلوماسياً واقتصادياً.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *