Pdf copy 1

ناظم العبادي

يمكن النظر إلى ثورة الإمام الحسين بن علي لا بوصفها حادثة مأساوية كبرى في التاريخ الإسلامي فحسب، بل بوصفها أحد أكثر العوامل رسوخاً في تشكيل الوعي العراقي، وفي التأثير غير المباشر في واقع الدولة والمجتمع والثقافة منذ سنة 61 هـ/680 م حتى اليوم.
فمأساة كربلاء لم تبقَ أسيرة الوجدان الديني، بل تحولت إلى رمز معياري للعدالة والشرعية والمظلومية، واستُخدمت عبر العصور في تفكيك شرعية الحكم الأموي، وفي تعبئة الحركات المناوئة له، ثم في رفد المعارضة الرمزية في العصور اللاحقة، وصولاً إلى حضورها القوي في الوعي الجمعي العراقي الحديث، ولا سيما في ثورة العشرين، وانتفاضة 1991، والفضاء السياسي والاجتماعي الذي تشكل بعد 2003.
لكن هذه العلاقة ليست خطية أو تبسيطية. فليس المقصود أن كربلاء “تسببت” ميكانيكياً في كل هذه التحولات، بل إن الأصح أن يقال إنها صنعت لغةً عميقة لفهم السلطة والظلم والتضحية، ثم أصبحت هذه اللغة جزءاً من الباطن العراقي ومن تصوره للدولة والمجتمع والهوية.
ولتوضيح هذه الاطروحة، يمكن ادراج الملاحظات التالية:
اولا: كربلاء وإسقاط الشرعية الأموية:
أول أثر سياسي عميق لثورة الحسين تمثل في تقويض الشرعية الأخلاقية والسياسية للدولة الأموية.
فمقتل الحسين، بوصفه سبط النبي ورمزاً دينياً وأخلاقياً بالغ المكانة، أحدث صدمةً لم تبقَ محصورة في دائرة الحزن، بل تحولت إلى وقود دائم للمعارضة ضد الأمويين. وتشير مصادر تاريخية حديثة إلى أن الذاكرة الكربلائية أصبحت “نداء تعبئة” ضد الأمويين، وأن العباسيين أنفسهم استثمروا هذا الإرث من أجل كسب التأييد الشعبي وتوسيع دائرة النقمة على الحكم الأموي.
من هنا يمكن القول إن كربلاء لم تكن خاتمة حدث، بل بداية مسار. فهي لم تُسقط الدولة الأموية عسكرياً مباشرة، لكنها نزعت عنها مركزها الأخلاقي، وجعلت استمرارها محملاً بلعنة رمزية كبرى. وهذا المعنى مهم لفهم العراق لاحقاً، لأن المجال العراقي كان من أهم المسارح التي استقبلت آثار هذا الانهيار الرمزي، ثم أسهمت في إعادة تشكيل السلطة من جديد في العصر العباسي.
ثانيا: من الأمويين إلى العباسيين:
العلاقة بين كربلاء وصعود العباسيين ليست علاقة سببية مباشرة على طريقة التفسير المدرسي البسيط، لكنها علاقة تاريخية مؤثرة. فعداء قطاعات واسعة للأمويين بعد كربلاء، وتعاظم الشعور بالمظلومية المرتبطة بأهل البيت، شكّلا بيئة مناسبة لحشد التأييد ضد الدولة الأموية، وهو ما استفادت منه الدعوة العباسية بوضوح. وبذلك دخلت ثورة الحسين في صميم التكوين السياسي للدولة اللاحقة، حتى لو أن العباسيين أنفسهم لم يحققوا المثال الحسيني للعدالة كما تتصوره الذاكرة الشيعية.
وهنا تظهر مفارقة عميقة: كربلاء ساعدت على إسقاط نظام، لكنها لم تسمح تاريخياً بإغلاق سؤال الشرعية. بل بقيت معياراً حرجاً تُقاس عليه الدول نفسها. ولهذا استمرت حاضرة حتى في العهد العباسي، لا كذكرى بكائية فقط، بل كرمز احتجاجي يذكّر دائماً بالفجوة بين السلطة كما هي، والسلطة كما ينبغي أن تكون.
ثالثا؛ العراق وكربلاء والباطن الجمعي:
إذا انتقلنا إلى العراق بوصفه مجتمعاً وتاريخاً، فإن الصورة تصبح أعمق. فالعراق عرف عبر قرونه الطويلة تواتراً كثيفاً من الغزو، والاستبداد، والانقسامات، والحروب، والانكسارات الكبرى، من العصور الإمبراطورية إلى العصور الحديثة. هذا التاريخ الموجوع هيأ العراقيين لتلقي كربلاء لا بوصفها قصة بعيدة، بل بوصفها مرآة وجودية لمصيرهم هم. وبسبب هذه القابلية، تحولت عاشوراء والذاكرة الحسينية إلى جزء أساسي من تكوين الحس التاريخي العراقي، وخاصة في المناطق الشيعية.
لكن الأهم من ذلك أن كربلاء لم تكن مجرد حدث استوعبه العراقيون، بل صارت مع الزمن قوةً تعيد تشكيلهم هم أيضاً. فالطقوس العاشورائية والمجالس والزيارات، ولا سيما في كربلاء والنجف، لم تبقَ تعبيرات دينية فحسب، بل صارت مؤسسات لإعادة إنتاج القيم والمعاني: من ذلك، معنى الظلم، معنى التضحية، معنى الشهادة، معنى الوقوف بوجه الحاكم الجائر. وهكذا يمكن القول إن كربلاء صنعت، إلى حد بعيد، الباطن الأخلاقي والثقافي للعراق، أو على الأقل أحد أهم عناصر هذا الباطن.
رابعا: من ثورة العشرين إلى 1991:
في العصر الحديث، عاد الرمز الحسيني إلى الواجهة في أكثر من محطة عراقية كبرى. فخلال مقاومة الاحتلال البريطاني في ثورة العشرين، لعبت المرجعيات والفضاءات الدينية في النجف وكربلاء دوراً مهماً في التعبئة الاجتماعية والسياسية، ضمن بيئة ثقافية كان الرمز الحسيني جزءاً من لغتها الأخلاقية والوجدانية. وحتى عندما لا تُختزل الثورة في عامل ديني واحد، يبقى من الصعب فصلها عن المجال الرمزي الذي كرسته كربلاء في العراق، والذي يجعل مقاومة الظلم والاحتلال جزءاً من الوعي الشعبي العام.
وفي انتفاضة 1991 كان الحضور الكربلائي أوضح من ذلك بكثير. فقد شهدت مدن الجنوب العراقي، ومنها كربلاء نفسها، انتفاضة واسعة ضد نظام المجرم هدام بعد حرب الخليج، وتحولت المدينة إلى ساحة قتال بين المنتفضين والحرس الجمهوري. إن مجرد تمركز الانتفاضة في هذا المكان، مع ما يحمله من حمولة رمزية عاشورائية، يوضح أن كربلاء لم تعد فقط مرجعاً للذاكرة، بل مرجعاً للتمرد أيضاً، ولتأويل الحاضر بوصفه امتداداً لصراع قديم بين الحق والقوة الغاشمة.
خامسا: ما بعد 2003:
بعد سقوط حكم الهدام عام 2003، دخل العراق طوراً جديداً أعادت فيه النجف وكربلاء موقعهما المركزي في المجال العام، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ورمزياً. وصعدت قوى تستند، بدرجات متفاوتة، إلى الإرث الشيعي وإلى المخزون الكربلائي في الشرعية والتعبئة، حتى مع ما رافق ذلك من تنافس، وفوضى، ومحاولات استثمار سياسي للرمز الديني.
ومع أن نظام ما بعد 2003 لم يحقق دولة العدالة المنشودة، بل شهد أزمات بنيوية عميقة، فإن هذا لا ينفي أن الثقافة الحسينية ظلت أحد أهم الضمانات الأخلاقية لهوية المجتمع العراقي وأصالته، لأنها حافظت على مفاهيم مركزية مثل نصرة المظلوم، والاحتجاج على الاستبداد، ورفض محو الذاكرة، وصيانة الصلة بين الدين والكرامة الإنسانية.
ويرى الكاتب ان المقاومة الصدرية وتظاهرات الاصلاح وتشرين، لن ينفكا عن ذلك الوعي الباطني الذي صاغه الامام الحسين بثورته.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الحسين لم يشكّل فقط لحظة احتجاج في التاريخ، بل أصبح جزءاً من “بنية المعنى” التي تعيش بها فئات واسعة من العراقيين وتفهم بها الدولة والسلطة والمجتمع.
ولا بخفى على القاريء اللبيب ان الاطارات والاحزاب الدينية المتسلطة موقفها سلبي تجاه الامام الحسين، بل ان لباسها الديني هو نسخة من سلوك الدولة العباسية الفاسدة والمعادية عمليا لثورة عاشوراء وقيادتها.
خاتمة؛
إن العلاقة بين الإمام الحسين والعراق ليست علاقة مزار بذاكرة، بل علاقة تأسيس طويل الأمد بين حدث كربلاء وبين تشكل الدولة والمجتمع والثقافة. لقد أسهمت الثورة الحسينية في إسقاط الشرعية الأموية، ثم فضح الحكم العباسي سابقا وحاليا. ويمكن القول؛ إن الثورة الحسينية هي العلة المشتركة للاحتجاج والهوية والمقاومة، من ثورة العشرين إلى انتفاضة 1991 وما بعد 2003. وإذا جاز تلخيص الأمر في عبارة واحدة، فيمكن القول إن الحسين في العراق لم يبقَ شهيداً في الذاكرة فقط، بل صار فاعلاً تاريخياً مستمراً في صياغة معنى الدولة، ومعنى المجتمع، ومعنى الأصالة الثقافية حتى يومنا هذا. والمراحل المستقبلية. وللحديث بقية.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *