Pdf copy 1

أحمد الشيخ
في زحام الحياة، قد نخسر أموالًا، ونفقد فرصًا، ونفترق عن أشخاص ظننا أن وجودهم جزءٌ من مستقبلنا. وقد نُحسن إلى من لا يعرف قيمة الإحسان، أو نمنح ثقتنا لمن لا يستحقها. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل يستحق كل ذلك أن نندم على الخير الذي فعلناه؟
الجواب بكل يقين: لا.
فالخير ليس تجارةً مع الناس حتى ننتظر منهم المقابل، وإنما هو تجارة مع الله، وما كان لله لا يضيع أبدًا. قد لا يعود إليك المعروف ممن أحسنت إليه، لكنه سيعود إليك من حيث لا تحتسب، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
إن أكثر ما يرهق الإنسان ليس خسارة الأشياء، بل شعوره بأن ما قدمه ذهب سدى. والحقيقة أن الخير لا يضيع، وإنما تتأخر ثماره حتى يحين موعد قطافها. وما يبدو اليوم خسارة، قد يكون غدًا أعظم أبواب العطاء، وما تظنه نهاية قد يكون بداية لحياة أجمل.
لا تقف طويلًا عند ما فات، ولا تجعل الحسرة عنوانًا لأيامك. فالأقدار التي اختارها الله لك خيرٌ من الأمنيات التي اخترتها لنفسك، والرضا ليس استسلامًا للواقع، بل ثقةٌ بحكمة الله وعدله ورحمته.
ولا تجعل عمرك يُقاس بعدد السنين التي عشتها، فكم من إنسان عاش عقودًا طويلة ولم يترك أثرًا، وكم من آخر عاش سنوات أقل، لكنه ملأ القلوب حبًا، وأضاء دروب الآخرين بكلمة طيبة، أو موقف كريم، أو يدٍ امتدت بالعون في وقت الشدة.
العمر الحقيقي هو مقدار الخير الذي تزرعه، وعدد الابتسامات التي كنت سببًا في رسمها، والقلوب التي اطمأنت بوجودك، والأثر الذي يبقى بعد غيابك.
إياك أن تتوقف عن الحياة بسبب خذلان، أو فشل، أو خسارة. فالحياة لا تنتهي إلا بانتـــــهاء الأجل، أما أن يعيش الإنسان بلا أمل، وبـــــلا رسالة، وبلا رغبة في الاستمرار، فذلك هو الموت المعنوي؛ موتٌ يـــــسلب الروح حياتها، ويجعل الأيام تمـــر بلا معنــــى.
اصنع الخير لأنه يشبهك، وابتسم لأن الأمل عبادة، وارضَ بما قسم الله لك، واسعَ لما هو أفضل، وأيقن أن القادم يحمل من الخير ما لا تعلمه، وأن الله إذا أغلق بابًا بحكمته، فتح أبوابًا أخرى برحمته.
فلا تندم على معروفٍ قدمته، ولا تتحسر على شيءٍ فقدته، ولا تيأس مهما تقدم بك العمر، فما دام القلب عامرًا بالإيمان، والنفس مفعمة بالأمل، فإن لكل صباح فرصة جديدة، ولكل دعاء موعدًا مع الإجابة، ولكل صابرٍ جبرًا يليق بكرم الله.
**فالحياة لا تُقاس بما أخذناه منها، بل بما تركناه فيها من أثرٍ طيب، وبما زرعن

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *