احمد الشيخ
تثير الأوامر الإدارية التي تصدرها بعض الجهات الحكومية بمنح العلاوات والترفيعات من تاريخ الاستحقاق، مع النص على أنها “بدون أثر رجعي”، إشكالية قانونية تستحق الوقوف عندها. فالسؤال ليس مالياً فحسب، بل يتعلق بجوهر مبدأ المشروعية الذي تقوم عليه الدولة وسيادة القانون.
من المبادئ المستقرة في القانون الإداري أن الإدارة لا تملك إنشاء قواعد تخالف القانون أو تنتقص من الحقوق التي قررها المشرع. فالقرار الإداري أدنى مرتبة من القانون، ويستمد مشروعيته من التزامه بأحكامه، ولا يجوز له أن يقيد حقاً أو يلغي أثراً رتبه القانون.
والعلاوة السنوية والترفيع الوظيفي ليسا منحة أو مكافأة تمنحها الإدارة متى شاءت، وإنما حق قانوني ينشأ بمجرد تحقق شروطه. أما الأمر الإداري فهو وسيلة لإثبات هذا الحق وتنفيذه، وليس مصدراً له. فإذا استوفى الموظف شروط العلاوة أو الترفيع في تاريخ معين، فإن حقه ينشأ من ذلك التاريخ، ولا يجوز أن يؤدي تأخر الإدارة في إصدار الأمر الإداري إلى تحميل الموظف نتائج هذا التأخير.
إن القول بمنح العلاوة أو الترفيع “من تاريخ الاستحقاق وبدون أثر رجعي” يثير تساؤلاً قانونياً مشروعاً: كيف يكون الاستحقاق ثابتاً منذ تاريخ معين، ثم تحجب آثاره المالية عن صاحبه؟ فإذا كان الحق قد نشأ قانوناً، فإن آثاره القانونية والمالية يجب أن تسري من تاريخ نشوئه، ما لم يوجد نص تشريعي صريح واستثنائي يقضي بخلاف ذلك. والاستثناء لا يفترض، ولا يجوز التوسع في تفسيره.
كما أن تحميل الموظف تبعات البطء الإداري أو التأخير في استكمال الإجراءات يخالف مبدأ العدالة الوظيفية، لأن الموظف لم يكن سبباً في هذا التأخير. ومن غير المقبول أن تتحول أخطاء الإدارة أو تأخرها إلى وسيلة لحرمان الموظف من جزء من حقوقه المالية.
وفي المقابل، فإن حماية المال العام لا تتحقق بتقليص الحقوق التي كفلها القانون، وإنما تتحقق من خلال حسن الإدارة، وسرعة إنجاز معاملات الموظفين، والتخطيط المالي السليم، والالتزام بالمواعيد القانونية، ومنع تراكم المعاملات حتى لا تتحول إلى أعباء مالية في المستقبل.
إن الدولة التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية لا تكتفي بإصدار القوانين، بل تحرص على تطبيقها بعدالة ومساواة. وسيادة القانون تعني أن يخضع الجميع، أفراداً وإدارة، لأحكامه دون استثناء، وأن تبقى القرارات الإدارية أداة لتنفيذ القانون لا وسيلة لتقييد الحقوق التي منحها.
إن الإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ عندما تدرك المؤسسات أن احترام الحقوق الوظيفية ليس عبئاً على الدولة، بل هو استثمار في ثقة الموظف بالمؤسسة، وتعزيز لاستقرار الوظيفة العامة، وترسيخ لمبدأ أن القانون هو المرجع الأعلى الذي لا يعلو عليه قرار إداري.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن تطرحه كل مؤسسة حكومية على نفسها: **إذا كان القانون قد منح الموظف حقه، فهل يجوز لقرار إداري أن ينتقص منه، أم أن احترام المشروعية يقتضي تنفيذ القانون كاملاً.


لا يوجد تعليق