طه حسن الأركوازي
إن قوة الدول لا تُقاس بعدد أوامر القبض التي تصدرها ، ولا بحجم الحملات الإعلامية التي تُرافقها ، وإنما بقُدرتها على جعل القانون يمتد إلى أبعد نقطة يُمكن أن يختبئ فيها من أعتدى على المال العام ، فحين يصبح الفاسد مُطارداً أينما ذهب ، وتتحول الحدود من ملاذٍ للهاربين إلى فضاءٍ للتعاون القضائي ، تكون الدولة قد بدأت تستعيد إحدى أهم وظائفها ، وهي فرض سيادة القانون دون تمييز أو أستثناء ، ومن هذا المُنطلق ، يكتسب توجه العراق نحو تفعيل التعاون مع مُنظمة الإنتربول دلالة تتجاوز البُعد الإجرائي ، ليعكس مُحاولة للانتقال من إدارة ملفات الفساد داخل الحدود إلى مُلاحقتها على المُستوى الدولي ، في أختبار قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في علاقة الدولة بواحدة من أخطر الأزمات التي أستنزفت مُؤسساتها لعقود .
لقد شكّل إعلان الحكومة العراقية عزمها على ملاحقة مئات المطلوبين الموجودين خارج البلاد بالتعاون مع الإنتربول ، والسعي إلى أسترداد الأموال العامة عبر الأُطر القانونية الدولية ، تحولاً لافتاً في مسار مُكافحة الفساد ، فهذه الخطوة لا تعني فقط توسيع نطاق الإجراءات القضائية ، وإنما تعكس إدراكاً مُتنامياً بأن الفساد في العراق لم يعد شأناً محلياً يمكن أحتواؤه داخل الحدود الوطنية ، بل أصبح شبكة عابرة للدول ، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التعقيدات القانونية ، وتنتقل فيها الأموال والأصول بسرعة تفوق أحياناً قدرة المُؤسسات التقليدية على مُلاحقتها . ومن هنا ، فإن المعركة الحقيقية لم تعد تقتصر على إصدار أوامر القبض أو الإعلان عن قوائم المطلوبين ، بل أنتقلت إلى ميدان أكثر تعقيداً ، تُختبر فيه كفاءة الدولة وقُدرتها على بناء ملفات قضائية مُتماسكة ، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية والدولية ، وإقناع الدول الأخرى بالتعاون في أسترداد المطلوبين والأموال وفق قواعد القانون الدولي ، فالقضايا ذات الطابع العابر للحدود لا تُحسم بالتصريحات أو الزخم الإعلامي ، وإنما تُحسم بسلامة الإجراءات ، وقوة الأدلة ، وكفاءة الأداء القضائي والدبلوماسي . ولا يخفى أن هذا المسار سيواجه تحديات قانونية كبيرة ، لاسيما أن عدداً من المطلوبين يقيمون في دول تختلف أنظمتها القضائية ، ويحمل بعضهم جنسيات مُزدوجة ، وهو ما يجعل إجراءات التسليم أو تجميد الأموال أكثر تعقيداً ، كما أن منظمة الإنتربول بطبيعتها القانونية ليست جهة تنفيذية تتولى القبض على الأشخاص ، وإنما تؤدي دوراً تنسيقياً بين أجهزة إنفاذ القانون في الدول الأعضاء ، فيما يبقى تنفيذ إجراءات التسليم خاضعاً لسُلطة القضاء الوطني في كُل دولة ، وللاتفاقيات الدولية النافذة . ولهذا ، فإن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد النشرات الدولية أو أوامر القبض الصادرة ، بل بقُدرة الدولة العراقية على تحويل تلك الإجراءات إلى نتائج ملموسة ، تتمثل في أسترداد المطلوبين ، وأستعادة الأموال العامة وإعادتها إلى خزينة الدولة ، فذلك وحده كفيل بإرسال رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الإفلات من العدالة لم يعد أمراً مضموناً ، وأن الدولة العراقية بدأت تستعيد شيئاً من هيبتها القانونية . غير أن القراءة الموضوعية لهذا التحول تقتضي التأكيد على أن أسترداد المطلوبين ، على أهميته لا يُمثل سوى جُزء من معركة أكبر ، فالفساد لا يبدأ عندما يُغادر المُتهم البلاد ، وإنما يبدأ عندما تُفتح الثغرات داخل مُؤسسات الدولة ، وتضعف منظومات الرقابة ، وتتراجع معايير الكفاءة والنزاهة ، ويُقدم الولاء السياسي أو الحزبي على المصلحة الوطنية ، لذلك فإن الاقتصار على مُلاحقة النتائج دون مُعالجة الأسباب سيبقي الأزمة تتكرر بأسماء مُختلفة وظروف مُتغيرة . لقد أثبتت التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أن تعدد المُؤسسات الرقابية ، على أهميته لا يكفي وحده للقضاء على الفساد إذا لم تُرافقه إرادة سياسية حقيقية لإصلاح بنُية الإدارة العامة ، وأعتماد مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب ، وتعزيز الحوكمة الرقمية ، وتفعيل الرقابة الوقائية قبل الرقابة اللاحقة ، فضلاً عن ترسيخ مبدأ المُحاسبة بعيداً عن أي أعتبارات حزبية أو فئوية ، فالدول الناجحة لم تنتصر على الفساد لأنها أمتلكت قوانين أكثر ، بل لأنها بنت مُؤسسات أقوى ، وأغلقت المنافذ التي تسمح بتكرار الجريمة قبل التفكير في مُعاقبة مرتكبيها . وفي الوقت ذاته ، ينبغي أن تبقى حملة مُكافحة الفساد بعيدة عن أي توظيف سياسي أو أنتقائية في التطبيق ، لأن قوة الدولة لا تُقاس بعدد من تُحاسبهم ، وإنما بمدى مُساواتها بين الجميع أمام القانون ، فكلما أتسمت الإجراءات بالشفافية ، وأستندت إلى القضاء المُستقل ، وأحترمت الضمانات القانونية ، أزدادت ثقة المواطنين بها ، وتعززت فُرص نجاحها في كسب التعاون الدولي .ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن نجاحها أو إخفاقها لن يقتصر أثره على ملف الفساد وحده ، بل سيمتد إلى صورة الدولة العراقية في الداخل والخارج ، فإذا أستطاعت بغداد أن تُثبت أن مُؤسساتها القضائية والتنفيذية قادرة على مُلاحقة المطلوبين وفق الأصول القانونية وأسترداد الأموال العامة ، فإنها سترسل رسالة مفادها أن الدولة أستعادت جُزءاً مُهماً من قُدرتها على حماية مواردها وفرض سيادة القانون . أما إذا بقيت الإجراءات حبيسة التصريحات ، فإن ذلك سيُضعف ثقة المواطنين ، ويمنح الفاسدين أنطباعاً بأن الزمن ما زال يعمل لصالحهم . إن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد ملامح المرحلة المُقبلة في مسار بناء الدولة ، فنجاح هذه الخطوة لن يُكتب بعدد الملفات المفتوحة ، وإنما بقُدرة المُؤسسات على تحويل القانون إلى واقع عملي يُطال الجميع دون أستثناء ، ويُؤسس لمرحلة جديدة تُصبح فيها الوظيفة العامة مسؤولية وطنية لا وسيلة للإثراء غير المشروع ، ويُصبح المال العام أمانة مصانة لا غنيمة تتقاسمها المصالح الضيقة .


لا يوجد تعليق