Pdf copy 1

علي جاسب الموسوي
حين تكون الخاتمة مرآةَ العمر كلِّه
(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)
ليس الموت في الرؤية القرآنية انقطاعا … ولا النهايةُ انهداما .. بل هو رجوع إلى المبدأ الأول وعودةُ الفرع إلى أصله ولقاءُ البداية بالنهاية .. فالإنسان لم يبدأ رحلته من التراب وإنما بدأها من نفخة إلهية (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) ثم هبط إلى عالم التكليف .. ليعود بعد تمام مسيره إلى ربه مصداقا لقوله تعالى (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)
وقد بين السيد العلامة محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان أن حركة الإنسان ليست حركة عبثية بين ميلاد وموت ؟ …. وإنما هي سير وجودي يبدأ بالله .. ويمضي بالله .. وينتهي إلى الله .. ولذلك كان الرجوع إلى الله هو الحقيقة الثابتة التي لا يستثنى منها أحد. ومن هنا .. لم يكن القرآن معنيا بعدد السنين التي عاشها الإنسان بقدر عنايته بعاقبته لأن النهاية ليست صفحة منفصلة عن الكتاب بل هي خلاصة الكتاب كلّه … ولذلك قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال ( وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فالإسلام هنا ليس كلمة تُقال عند الاحتضار بل حالةُ ثبات تمتد مع العمر حتى آخر لحظة.
ولذلك كان الأنبياء أنفسهم يسألون الله حسن العاقبة .. فهذا يوسف عليه السلام بعد الملك والتمكين .. لا يسأل دوام السلطان .. وإنما يناجي ربه ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) وإبراهيم الخليل عليه السلام يورث أبناءه الوصية الكبرى( فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما بدأ به بل بما ختم له.
وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام لم تكن الشهادة حادثة طارئة بل كانت امتدادا طبيعيا لحياة بُنيت على الصدق والثبات .. ولذلك بقيت كربلاء حية .. لأنها لم تكن خاتمة رجل بل اكتمال رسالة. فالدم إذا كان خاتمة الصدق صار بداية الخلود.
ومن هنا نفهم أن العلماء الصادقين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والأمة كالسيد الشهيد الامام علي الحسيني الخامنئي طاب ثراه… لا ينظر الناس إلى رحيلهم بوصفه انقطاعا … بل بوصفه استمرارا لأثر تركوه في النفوس والعقول … إن بقاء الأثر واستمرار الرسالة واجتماع القلوب على الذكر الحسن هو مما يستحضره الناس عندما يتأملون سير أولئك الذين عاشوا لمبادئهم حتى آخر أعمارهم.
وفي هذا السياق رأى كثيرون في مشهد تشييع السيد الشهيد الإمام الخامنئي … وما رافقه من مظاهر الحزن والوفاء صورةً تستدعي هذه المعاني القرآنية لا لأن البشر يملكون الحكم على السرائر فذلك إلى الله وحده وإنما لأن حياة الإنسان وآثارها في الناس تدفعهم إلى استحضار مفاهيم الثبات والوفاء وحسن العاقبة التي كررها القرآن الكريم.
ولعل أبلغ ما في المشهد أن العراق الذي طالما ارتبط في الوجدان الإسلامي بأرض النجف وكربلاء تحول في وجدان محبيه إلى محط من محطات الوفاء … فاستحضار الناس لمعاني الرسالة وتاريخ العلماء وسير المجاهدين جعل من التشييع عندهم مناسبة للتأمل في حقيقة العمر هل يُقاس بطوله أم بما يتركه من أثر؟
إن الخاتمة ليست لحظة الموت.بل هي لحظة انكشاف الحقيقة .. فمن عاش لله كان رجوعه إليه لقاء بين البداية والنهاية بين النفخة الأولى والرجعة الأخيرة بين العهد الأول ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) والجواب الأخير الذي يقدمه الإنسان بعمله قبل لسانه.
وهكذا فإن أعظم ما يورثه الإنسان ليس مالا ولا سلطانا وإنما سيرةٌ تُذكّر بالله وأثر يدعو إلى الحق وذكر يبقى حيّا في ضمير الأمة … أما الحكم على المصائر فإلى الله العليم بالسرائر الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو وحده الذي يجازي كل نفس بما كسبت.
فطوبى لمن كانت بدايته مع الله ومسيره إلى الله وكانت خاتمته لقاءً يصدق فيه قوله تعالى
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي).

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *