الباحث السياسي زمن رشيد
حين نفتش في دفاتر التاريخ نجد أن المجتمع العراقي لم يكن يوماً مجتمعاً عابراً في مسيرة البشرية بل كان المهد الأول الذي علّم الإنسانية كيف تصوغ القوانين الاجتماعية وتنظم حياة البشر فمنذ فجر حضارات سومر وأكاد وبابل وآشور والعراقيون يخطون بالمسامير أولى تشريعات العدالة والحق مستلهمين قيم الأرض والسماء كأرض شهدت خطى الأنبياء الأقادم وامتزجت في طينها الديانات والحضارات المتلاحقة وصولاً إلى احتضانها للأئمة الأطهار والمراجع الدينية العظام الذين شكلوا عبر العصور صمام أمان روحي وأخلاقي يحمي الذات الإنسانية من التحلل والضياع وطوال هذا التاريخ الممتد عُرف الفرد العراقي بقوة الشكيمة والشجاعة الفائقة التي تتمازج في التفاتة فريدة مع كرم طاعن في السخاء وغيرة وشهامة نابعة من سمو أخلاقه الأصيلة ونبل طباعه التي جعلت الجار يحمي جاره والغريب يجد مأواه في دواوين الكرم والمهابة لكننا اليوم وللأسف الشديد نقف مذهولين أمام فصل تاريخي مرعب لا يتمثل في انهيار المنظومة السياسية أو الاقتصادية فحسب بل في تآكل هذا العقد الأخلاقي العريق وتراجع ذلك النسيج السلوكي الفريد إن ما نلاحظه في الراهن من قسوة مفرطة وجرائم عائلية مروعة وعنف وحشي متبادل لم يعد مجرد حوادث فردية عابرة بل تحول إلى ظاهرة بنيوية عابرة للطبقات والمستويات التعليمية والأعمار وبات المواطن العراقي يعيش حالة من الرهاب الاجتماعي المزمن حيث تحول البيت والشارع والمدرسة والمقهى من مساحات للأمان والتعايش إلى بؤر محتملة للتهديد والصدام غير المبرر وعندما نتساءل عن سبب ممارسة الطبيب والمهندس للعنف مثلما يمارسه الجاهل وسبب تساوي الغني والفقير في تبني السلوك الوحشي فإننا نقف أمام تراجع ملحوظ في دور المؤسسات التي كان يُفترض بها صياغة العقل البشري وفي مقدمتها بعض المؤسسات الأكاديمية والجامعية وبعض الجمعيات التي انحرف مسارها وتحولت من منارات للتنوير وبناء الشخصية إلى مصانع للشهادات ومساحات مستلبة سياسياً وحزبياً حيث غاب الحوار الفلسفي وانتهت الأنشطة الفنية والأدبية وحل محلها التلقين الجاف والمحسوبية مما أفقد الطالب الإيمان بقيمة العلم كوسيلة للرقي الإنساني وجعله يتساوى في سلوكه العنيف مع غير المتعلم ويتفاقم هذا التراجع السلوكي مع تغول بعض وسائل الإعلام الضحل وبعض منصات التواصل الاجتماعي التي لم تعد تنقل الحقيقة بقدر ما تصنع الاستقطاب وتضخ يومياً مشاهد العنف والسخرية واسترخاص الدماء طلباً للتفاعل الرقمي والترند مما خلق حالة من تبلد الإحساس لدى فئات واسعة من المجتمع العراقي فأصبح منظر الدماء والتعذيب أمراً مألوفاً لا يهز الضمير الجمعي إن هذا العنف العابر للشرائح هو نتاج صدمة جماعية متوارثة عبر عقود من الحروب والحصار والاحتلال والإرهاب ولدت مفهوماً مشوهاً للبقاء ينظر إلى السلمية كضعف وإلى السلاح والبلطجة كقوة وهيبة ولذلك يتشارك الغني والفقير ذات البيئة النفسية المشحونة فالأول يمارس العنف استقواء بماله ونفوذه والثاني يمارسه انفجاراً لليأس والضغط المعيشي والتهميش بينما ينشأ الأطفال في بيئة قوامها الصراخ والتهديد ليعيدوا إنتاج ذات السلوك مستقبلاً وفي محاولة لفهم كيفية إنقاذ مجتمع يتداعى يجدر بنا العودة إلى التاريخ الفلسفي وتحديداً إلى أفلاطون في كتابه الجمهورية حيث لم يكن يبحث عن بناء نظام سياسي جاف بل كان يؤسس لبناء الإنسان الفرد كقاعدة أساسية للدولة الفاضلة وكان يرى أن حماية ذهن الطفل وعقله هي المهمة الأسمى للمجتمع ولتحقيق ذلك وضع تخطيطاً تربوياً صارماً يرتكز على الموسيقى والشعر لتنمية رقة النفس والرياضة البدنية لتنمية القوة وطالب بمنع الشعراء والفنانين من تصوير القبح والرذيلة أو العنف في مدينته لكي ينشأ الشباب في بيئة صالحة تنساب إلى عيونهم وآذانهم روائع الأعمال الفنية كنسيم عليل يقودهم منذ الصغر دون أن يشعروا إلى التآلف والانسجام مع العقل الجميل فالفن في الفلسفة الأفلاطونية ليس للترفيه بل هو أداة تهذيب وتطهير للنفس البشرية تزرع الاعتدال وتقمع النزعات الوحشية الكامنة ولو طبقنا رؤيته اليوم لكان أول ما نفعله هو تنظيف الفضاء العام من ركام القبح وصراخ الشاشات وإعادة الفن والمسرح إلى المدارس واليوم ونحن نقف على شفا جرف هار من الانهيار السلوكي الكامل ندرك أن الحلول الأمنية والاعتقالات وقوانين العقوبات لم تعد كافية لعلاج هذا العطب النفسي والاجتماعي العميق ولذلك فإن إنقاذ العقل العراقي واستعادة أمجاد طباعه الأصيلة يتطلب خطة طوارئ وطنية عاجلة خارجة عن يد المحاصصة والبيروقراطية وتتمثل في دعوة وطنية عاجلة لتأسيس الهيئة الوطنية المستقلة لتنمية وتأهيل المجتمع العراقي ترتبط برئاسة الدولة وتضم صفوة من علماء الاجتماع والنفس والفلاسفة والتربويين لتتولى مهام إعادة صياغة المناهج التربوية ودمج الفلسفة والفنون والتربية الأخلاقية والعمل بالتنسيق مع بعض القنوات الإعلامية والجمعيات الفاعلة لتطهير الفضاء الرقمي بوضع معايير تمنع بث خطابات الكراهية والعنف وتأسيس مراكز تأهيل نفسي مجتمعي في كل قضاء لعلاج آثار الصدمات المتراكمة ومكافحة الرهاب الاجتماعي وإحياء الفضاءات العامة والمسارح والمكتبات لتكون متنفساً حضارياً يطرد شحنات الغضب من نفوس المواطنين إن السكوت عن هذا التوحش السلوكي هو تواطؤ في فناء الهوية العراقية وحان الوقت لنفهم أن وطناً بلا إنسان مهذب هو مجرد رقعة جغرافية يسكنها الخوف ودعوتنا هذه هي صرخة أخيرة قبل البدء بانهيار كامل لا يمكن تداركه.


لا يوجد تعليق