Pdf copy 1

محمد عبد الجبار الشبوط
قبل أن نبحث في وسائل مكافحة الفساد، علينا أن نجيب عن سؤال أكثر أهمية: ما طبيعة الفساد في العراق؟ فإذا أخطأنا في تشخيص المرض، أخطأنا في وصف العلاج.
لقد اعتاد الرأي العام أن ينظر إلى الفساد بوصفه مجموعة من المسؤولين الفاسدين الذين يسرقون المال العام، وأن الحل يكمن في اعتقالهم ومحاكمتهم. وهذه خطوة ضرورية، لكنها لا تمثل سوى معالجة للأعراض، لا للمرض نفسه. فالفساد في العراق لم يعد مجرد سلوك فردي، بل تحول عبر السنوات إلى مؤسسة متكاملة لها قواعدها، وآلياتها، وشبكاتها، وقدرتها على حماية نفسها وإعادة إنتاج نفسها.
عندما نقول إن الفساد أصبح مؤسسة، فإننا لا نعني وجود هيئة رسمية تحمل هذا الاسم، وإنما نعني وجود منظومة مترابطة من المصالح والعلاقات والنفوذ، تمتد عبر السياسة والإدارة والاقتصاد، بحيث يصبح الفساد جزءاً من طريقة عمل النظام نفسه.
فالموظف الفاسد لا يعمل وحده، بل يتحرك داخل شبكة تضم مسؤولين، وموظفين، ووسطاء، ومقاولين، وشركات، وحمايات سياسية أو عشائرية أو حزبية، وأحياناً إعلامية. ولكل حلقة في هذه الشبكة نصيبها من الأرباح ودورها في حماية بقية الحلقات.
ولهذا السبب، فإن اعتقال شخص أو مجموعة أشخاص لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار منظومة الفساد. فالمؤسسة تبقى قائمة حتى بعد خروج بعض أفرادها منها، لأنها تمتلك القدرة على استبدال الأشخاص بآخرين، تماماً كما تستبدل أي مؤسسة موظفيها عند الحاجة. إن الأشخاص يتغيرون، أما القواعد التي تنتج الفساد فتبقى كما هي.
ولعل هذا يفسر ظاهرة تكرار حملات مكافحة الفساد في العراق منذ عام 2003 دون أن يختفي الفساد. ففي كل مرة يُلقى القبض على مجموعة من المتهمين، ويُسترد جزء من الأموال، ثم لا يلبث أن يظهر جيل جديد من الفاسدين. وليس السبب نقص الإرادة دائماً، وإنما لأن المؤسسة المنتجة للفساد بقيت سليمة، بل ربما ازدادت خبرة في حماية نفسها.
إن المؤسسة الفاسدة لا تقوم على السرقة فقط، بل تقوم على توزيع المنافع. فهي تمنح الولاءات، وتوزع العقود، وتوفر الحماية، وتخلق مصالح مشتركة تجعل عدداً كبيراً من الأطراف حريصاً على استمرارها. ولذلك فإنها تدافع عن نفسها بكل الوسائل، لأن سقوطها يعني سقوط الامتيازات التي يحصل عليها جميع المستفيدين منها.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن الفساد المؤسسي ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو اختلال في بنية الدولة نفسها. فعندما تتراجع سيادة القانون، وتضعف المؤسسات الرقابية، وتختلط السلطة بالثروة، وتتحول المناصب العامة إلى مصادر للربح، يصبح الفساد نتيجة طبيعية، لا حادثاً استثنائياً. وحينئذ لا يعود الإصلاح مسألة أخلاقية فقط، بل يصبح مشروعاً لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
ولهذا فإن القضاء الحقيقي على الفساد لا يتحقق باعتقال الفاسدين وحدهم، مهما كان ذلك ضرورياً، وإنما بتفكيك المؤسسة التي تنتج الفساد وتحميه وتعيد إنتاجه. وهذا التفكيك يبدأ بإغلاق منافذ الفساد القانونية والإدارية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمواطنة، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ الشفافية، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع الجميع لسيادة القانون دون استثناء، وبناء ثقافة عامة تجعل الوظيفة العامة خدمة للمواطن لا فرصة للإثراء.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الدولة وبعض اللصوص، بل بين الدولة ومنظومة كاملة تشكلت عبر سنوات طويلة. وإذا كانت المؤسسة الفاسدة قد احتاجت سنوات حتى تتماسك، فإن تفكيكها يحتاج إلى رؤية شاملة، وإرادة سياسية، وإصلاح مؤسسي عميق، وصبر استراتيجي.
فالفساد في العراق مؤسسة، وليس أفراداً. ولذلك فإن الانتصار الحقيقي لن يتحقق عندما يمتلئ السجن بالفاسدين، بل عندما تصبح المؤسسة التي أنتجتهم غير قادرة على إنتاج غيرهم. وهذا هو الفارق بين مطاردة الفساد، وبين القضاء عليه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *