جاكسون ديل
لوحظ في مدينة «أوديسا» الأوكرانية على البحر الأسود أقصى شمال غرب أوكرانيا، والتي يعتبرها بوتين جزءاً لا يتجزأ من روسيا، أن المبنى التعيس الذي يؤوي الحكومة المحلية، أصبح يحتوي على صندوق زجاجي شفاف يتصل بقاعدة معلومات ويشرف عليه فريق من المحامين. والهدف هو التعرف على مدى الإحباط الذي يستشعره سكانها (أكثر قليلا عن مليون نسمة). ولقد استقبل الصندوق خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من وضعه هناك، أكثر من 3500 شكوى وحالة احتجاج. ومبتدع هذه الفكرة، سياسي واقتصادي محنّك يدعى «ميخائيل ساكاشفيلي»، وهو الرئيس السابق لجمهورية جيورجيا، والذي انتهج خلال فترة حكمه سياسة إصلاحية موالية للغرب في تلك الجمهورية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي. وكان «ساكاشفيلي» قد غادر جيورجيا بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية هناك، وما لبث أن وجد نفسه رئيساً لفريق إداري في وسط أوكرانيا المضطربة، وتتركز وظيفته على المساعدة في صدّ الغزو العسكري الروسي بقيادة بوتين، وإنشاء نظام اقتصادي وسياسي مضاد لـ«النظام البوتيني». ويبدو أن هذا النضال قد بلغ نقطة التحول. فقد بدا وكأن الزعماء الأوكرانيين الموالين للغرب استطاعوا إجهاض خطة بوتين للسيطرة على إقليم «نوفوروسيا» الذي يضم «أوديسا»، بالإضافة لمعظم المناطق الجنوبية الشرقية من أوكرانيا. وربما يكون هؤلاء قد استطاعوا قيادة اقتصاد بلادهم إلى حالة من الاستقرار، لكن رهانهم على تحرير وطنهم من التسلط الروسي ومن كابوس الفساد، لم يحقق نتائجه المرجوّة لأن الحكومات الغربية لم تبذل إلا القليل من الجهد اللازم لتعويم الاقتصاد الأوكراني المثقل بالمشاكل. ولهذه الأسباب، أعرب معظم الأوكرانيين عن استعدادهم لإطلاق ثورة شوارع جديدة على شاكلة تلك التي سبق أن أسقطت الحكومة السابقة الموالية لبوتين. وتمكن «ساكاشفيلي» وفريقه من خلق بعض المؤشرات الدالّة على التحسّن. فلقد تمكن «رجل جيورجي منفرد» من تشكيل فصائل جديدة من قوات الشرطة في مدينة أوديسا والعاصمة كييف، وقوة أخرى للمساعدة في تأسيس وكالة لمكافحة الفساد. وفي أوديسا، ظهرت النتائج الإيجابية لإعادة الهيكلة الإدارية على يدي «ماريا جايدار»، وهي زعيمة بارزة وناشطة سياسية معارضة للسياسة الروسية (وهي أيضاً ابنة رئيس الوزراء الروسي الأسبق بوريس يلتسين)، والتي أعلنت أن أفضل طريقة لمحاربة «البوتينية» تكمن في بناء أكرانيا بديلة. ورغم ما فعله «ساكاشفيلي» في أوكرانيا، فهو لا يبدو راضياً عن النتائج. وعلى مائدة عشاء عامرة باللحوم المشويّة والسلطات، اجتمع بوفد من «صندوق مارشال الألماني» الأسبوع الماضي، وجدّد تحذيره من أن أوكرانيا أصبحت على مشارف انهيار جديد. وقال: «القضية الخطيرة تتعلق بما إذا كانت أوكرانيا ستهزم نفسها. لقد أصبحنا بين خيارين؛ فإما أن نتحرك بسرعة عالية جداً نحو الأفضل، أو نتعرض للأسوأ». لقد أبدى «بوروشينكو» حذراً في معالجته قضايا الفساد. ولم يتم استبعاد إلا القليل فحسب من رؤوس الفساد في الإدارة الأوكرانية حيث بقي الآلاف منهم. وتسبب الرئيس في إغضاب المسؤولين الغربيين عندما رفض استبدال النائب العام الذي أصدر أمراً بوقف التحقيقات مع الفاسدين. وعبر مسؤولو الاتحاد الأوروبي عن أملهم في أن يتمكن بوروشينكو ورئيس وزرائه من تحقيق الإصلاحات الضرورية حتى لو كانت بطيئة ومؤلمة. وأما ساكاشفيلي فكانت لديه فكرة أخرى، فهو يدعو إلى تعديل حكومي جذري، والإسراع بخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وإعادة تشكيل الجهاز الإداري الذي «لا أمل يُرتجى منه».

