مفتاح شعيب
ما كشفته أجهزة الأمن التونسية عن ضبط أسلحة «إسرائيلية» بحوزة خلية إرهابية في مدينة سوسة الساحلية، يطرح مرة أخرى التساؤل عن العلاقة بين المتطرفين الإسلاميين في المنطقة والمتطرفين الصهاينة داخل كيان الاحتلال. فالبحث في هذه العلاقة الخفية يبدو شيئاً من «المحرمات» لدى الكثير من الأدبيات السياسية، بما يوحي بأن هناك نية متعمدة لتغييب هذا المعطى حتى تبقى المنطقة في هذا الجحيم الإرهابي الواسع.
ليس جديداً أن يقال إن الكيان الصهيوني أصبح «أكثر أمناً» من أي وقت مضى، فالمنطقة حوله تحترق وتتقاتل، وكل ما يحصل يخدم مشروعه ومصلحته، ولا تنطلي إلا على الأغبياء مقولة إن «إسرائيل» لا تريد أن يتفاقم الإرهاب، وأن تتعدد جماعاته إذا كان ذلك يؤدي إلى ولادة وطن عربي مدمر فاقد لأيّ مناعة أو قدرة على الدفاع عن نفسه، وهو ما يحصل بالفعل مدعوماً بتعامٍ عربي غريب. والمتتبع لخطابات الجماعات الإرهابية من سلالة «القاعدة» و«داعش» لا يعثر فيها على خطاب واضح يحرض على «إسرائيل»، وإنما كل الهم التحريضي منصب على الطوائف والأعراق المختلفة، ما خلق صراعاً قد يستمر عشرات السنين، سيصبح فيها الكيان الصهيوني هو الأقوى بلا منازع، وربما يحقق مشروع «إسرائيل» الكبرى من الفرات إلى النيل». ومع الأسف، فإن كل ما جرى، ويجري من تدمير ممنهج للعراق وسوريا وليبيا واستهداف لمصر يشير إلى هذا المخطط المنسق بين أطراف عدة. وفي هذا العصر ليس هناك شيء مستغرب، فقبل عشرين عاماً لم يكن أحد يتوقع أن يحل الخراب بالمنطقة فينكشف ضعفها وهشاشتها وقابليتها الآلية للانهيار مثلما هي عليه الآن. وبالإمكان تصور الوضع الذي ستكون عليه بعد عشر سنوات إذا استمر الاحتراب والفوضى بهذا المستوى، وبالإمكان أيضاً تصور الوضع الذي سيكون فيه الكيان الغاصب وهو يرى الطوق العربي يتآكل من حوله وينتهي إلى جماعات طائفية متقاتلة. أما إذا استهدف الإرهاب عاصمة أوروبية، مثلما هو الحال في باريس، فتكون «إسرائيل» هي المستفيدة الأولى من المساعدات العسكرية والسياسية والإفلات من المساءلة عن انتهاكاتها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني وسياسات التهويد والتهجير. أيام المحرقة الليبية التي أسموها «ثورة» عام 2011، دخلت أسلحة «إسرائيلية» من مختلف الطرز إلى «ثوار» ذلك العهد، كما تقدم منظرون صهاينة، منهم الفرنسي برنارد هنري ليفي، الصفوف الأمامية للجبهات معلماً وموجهاً، وبعد سقوط نظام العقيد القذافي سقطت الدولة برمتها وظلت الأسلحة «الإسرائيلية» وأجهزة الاتصالات المتطورة بأيدي الجماعات الإرهابية، والشيء نفسه يحصل في سوريا والعراق، وصولاً إلى تونس، مروراً بمصر. ففي كل هذه الميادين كانت «إسرائيل» حاضرة بالسلاح والتخطيط، لا سيما وأن الأسلحة التي تستخدمها الجماعات الإرهابية مثل «داعش» تبدو متطورة وأكثر نجاعة من العتاد الذي تملكه الجيوش التي تقاومها. في الأيام الماضية طرحت تساؤلات مشروعة عن الجهات التي تمول تنظيم «داعش»، وعن قدرته على التمدد واستيعاب آلاف المتطرفين من مختلف الجنسيات، وستبقى تلك التساؤلات معلقة، إذ يبدو أن هناك إرادة ما لا تريد لهذا التنظيم أن ينتهي، ومثلما تحوم الشبهات حول قوى دولية وإقليمية تستثمر هذا التنظيم في مشاريعها، هناك شبهة قوية على صلة التطرف الصهيوني بالمشروع الإرهابي في المنطقة. ومهما تعددت التبريرات، لا يبدو القضاء على الإرهاب في المنطقة ممكناً إذا لم يتم تفكيك «شيفرة «إسرائيل»» الموضوعة بتمويه متقن داخل الجماعات الإرهابية، ويكاد لا يفطن إليها أحد

