Pdf copy 1

خيري منصور 
ليس هناك من مُشترك بين القنوات الفضائية إلا الفضاء ذاته، رغم أن تصنيف القنوات إلى إخبارية وفنية وسياسية ودينية لا يضع كل فئة من هذه الفئات في سلة واحدة. ما دام هناك تباين في المقتربات والرؤى إضافة إلى مستوى الأداء والتقنية.
وقد كُتب الكثير عن هذا الشجن الفضائي، لكن ما يهمنا الآن هو التلاعب بالأولويات بحيث يجري تهميش الأساسي لصالح الثانوي، والجاد لصالح الساخر.
وهناك قنوات انفصلت مركباتها وشاشاتها عن مجال جاذبية الواقع بكل ما يعج به من أزمات ومشكلات، بحيث تبدو كما لو أنها تتوجه إلى المريخ أو الزهرة أو بلوتو، فالواقع مطرود من جدول أعمالها وأجندتها المكرسة لأهداف تثير الريبة، فهي تختزل البشر إلى بُعد غريزي واحد. والقنوات التي تمارس هذا الاختزال ليست فنية فقط، فهناك قنوات دينية تفعل الشيء ذاته. وكأن من يشاهدها خُلق ليموت غداً، ولا شأن له بهذه الدنيا رغم أنها تضغط على أنفه وفيها من النظم والقوانين والأعراف ما يتحكم حتى بمصير أحفاده.
ونحن لا ندعو إلى إمساك العصا من الوسط، بحيث لا يكون الإنسان صلباً فيُكسر أو رخواً فيعصر، لأن الحياة أكثر تعقيداً من أن تُحشر في ثنائيات، ما نعنيه بالتلاعب بالأولويات ليس فقط التقديم والتأخير بل هو منسوب الإضاءة على حدث ما بحيث تكون هذه الإضاءة ساطعة بل حارقة عندما تتعلق بحدث ما يخص فرداً بعينه، بينما تشح الإضاءة على حدث جلل يتعلق بمصائر شعوب. وحكاية التغريب عن الواقع ليست طارئة أو حكراً على عائلة مُعينة من القنوات الفضائية، فقد مارسته من قبل مؤسسات إعلامية وثقافية ودور نشر ومجلات خصوصاً خلال الحرب الباردة، التي ظهر فيها كثير من الطبالين والزمارين كما تقول كاتبة بريطانية. واستراتيجية التلاعب بالأولويات يجب ألا يُستخف بها، لأنها تغير اتجاه البوصلة بالنسبة للرأي العام. وتعمد إلى التهويل عندما يكون الأمر عابراً ولا يرقى إلى مستوى الظاهرة كما تعمد إلى التهوين حين يكون الحدث كارثياً وزلزالياً وله ترددات قد تستمر زمناً طويلاً وتلقي بظلالها على أدق التفاصيل في حياتنا.
وما قيل ذات يوم عن أحد أسباب تفكك الاتحاد السوفييتي خارج السياسة وهو وضع الرجل غير المناسب في الموقع المناسب، وجد من يعيد إنتاجه بحيث يصبح: أفضل أسلوب لصرف الناس عن الانتباه لما يحدد مصائرهم هو التلاعب بأولوياتهم.

التعليقات معطلة