ريتشارد ميلن
تجسس صناعي. بغاء ورشا. غش في المعايير البيئية. في ظاهرها تبدو الفضائح الثلاث الكبيرة التي هزت شركة فلوكسفاجن في الأعوام 1993 و2005 و2015 لا رابط بينها. لكنّ تنفيذيين حاليين وسابقين، وأعضاء مجلس إدارة، ومساهمين يقولون إن الأزمات المتعاقبة يجمع بينها شيء واحد: ما يسمى نظام شركة فلوكسفاجن.
بوصفه تركيبة تاريخية فريدة من نوعها للمعجزة الاقتصادية الألمانية في فترة ما بعد الحرب، يعمل النظام على وجود ارتباط وثيق بين الإدارة والعمال والسياسيين المحليين – وهو وضع يصبح حتى أكثر تعقيدا بسبب طبقات من الملكية العائلية.
بالنسبة للنقابات والسياسيين يعتبر النظام بالغ الأهمية لحماية الوظائف في جوهرة التاج الصناعية في البلاد. لكن بالنسبة للمساهمين ومختصي الحوكمة النظام مسؤول عن تعزيز ثقافة الشركة المختلة وظيفيا – والإضرار بربحيتها.
يقول هانز هيرت، المدير في خدمات ملكية الأسهم “هيرميس”، وهي مستثمر نشط في المملكة المتحدة: “يبدأ الناس في التساؤل عن نظام شركة فلوكسفاجن بأكمله مرة أخرى (…) فلوكسفاجن من بين الشركات الأكثر تعقيدا والأكثر إثارة للتساؤل من حيث الحوكمة. في حالات أخرى تكون لديك عائلات قوية. لكن هنا لديك أيضا ملكية للدولة وموظفون أقوياء. إنها عبارة عن مزيج خاص جدا”.
ازدادت حدة فضيحة فلوكسفاجن الأخيرة في الوقت الذي تواجه فيه الشركة الصانعة للسيارات ادعاءات جديدة بالغش في اختبارات الانبعاثات. ويجري المنظمون في الولايات المتحدة تحقيقات فيما إذا كانت الشركة وضعت “أجهزة التلاعب” في عشرة آلاف سيارة – بما فيها موديل بورش – في حين كشفت الشركة أنها قللت من الرقم الحقيقي لمستويات ثاني أكسيد الكربون في نحو 800 ألف مركبة، بما في ذلك ولأول مرة تلك التي تعمل بمحركات البنزين. وتأتي هذه النتائج بعد الكشف الأولي عن أن 11 مليون سيارة تعمل بالديزل في جميع أنحاء العالم استخدمت أجهزة التلاعب.
كثفت المزاعم الأخيرة من التساؤلات حول ما إذا كان الغش في “فلوكسفاجن” منهجيا. واستنتج كثير من المساهمين والموظفين الحاليين والسابقين أن الشركة تحتاج إلى إصلاح جذري.
يقول عضو سابق في مجلس الإشراف في “فلوكسفاجن”: “يحتاج النظام في الشركة إلى تغيير كامل. لكن هل أعتقد بأن هذا سيحصل؟ لا، لا أعتقد – ولهذا السبب أشعر بالقلق على المستقبل”.
يدفع ينجفي سلاينجستاد، الرئيس التنفيذي لصندوق النفط النرويجي البالغة قيمته 870 مليار دولار، من أجل إجراء عملية تجديد. ويقول: “نحن بالطبع نأمل في أن يؤدي هذا الحدث إلى شيء من إعادة التفكير في الشركة فيما يتعلق بما يمكن أن يكون أنموذجا للحوكمة”.
كانت “فلوكسفاجن” دائما تمثل كائنا غريبا. تأسست على يد هتلر في عام 1936، وتم إنقاذها من قبل الجيش البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم تخصيصها في عام 1960. لكن حكومة الولاية المحلية لمقاطعة ساكسونيا السفلى (ولبعض الوقت الحكومة الفيدرالية) مُنِحت حقوق ملكية خاصة جعلت منها أقلية تملك حق النقض، كما أعطتها مقاعد في مجلس المشرفين.
هذه الأيام لم تعد “فلوكسفاجن” مجرد شركة تسيطر عليها الدولة. في أعقاب فضيحة عام 2005، انضمت أسرتا بورش وبيتش – وقطر لاحقا – إلى مقاطعة ساكسونيا مساهمين مسيطرين في “فلوكسفاجن”. في الوقت نفسه، الموظفون الألمان في شركة صناعة السيارات متنفذون جدا لدرجة أن بعض النقاد قالوا إنها تشبه منظمة تعاونية.
خلافا للشركات الأمريكية والبريطانية، لا تمتلك شركة فلوكسفاجن مجلس إدارة منفرد. بدلا من ذلك، لديها مجلس إشرافي من المفترض أن يكون مسؤولا عن مساءلة الإدارة. لكن يقول المساهمون ومختصو الإدارة إن فضيحة الانبعاثات تظهر أنه يفتقر إلى الاستقلالية والسلطة لممارسة هذا الدور.
وبموجب المبدأ الألماني المتعلق بالتصميم التشاركي، يتم حجز نصف مقاعد المجلس للعمال. في حالة “فلوكسفاجن”، حصل رئيس نقابة آي جي ميتال على مقعد في المجلس منذ وقت طويل، وحتى أنه شغل منصب الرئيس المؤقت عندما اندلعت لأول مرة فضيحة الديزل في أيلول (سبتمبر) الماضي. وجميع مقاعد الموظفين البالغ عددها عشرة يشغلها العمال الألمان.
على جانب المساهمين في المجلس، المشكلة تتعلق بالاستقلالية. أربعة من الأعضاء العشرة هم أعضاء في عائلتي بورش وبيتش، واثنان من ساكسونيا وقطر. رئيس مجلس الإدارة الجديد، هانز ديتر بوتش، كان حتى الشهر الماضي مدير التمويل في “فلوكسفاجن”، وهو مقرب من العائلتين.
هذا يترك فقط آنيكا فولكينجرين، الرئيسة التنفيذية للبنك السويدي “إس إي بي”، شخصا من الخارج – وأحد مختصي حوكمة الشركات يبطل منصبها لأن “إس إي بي” يعتبر مستشارا لـ “سكانيا”، شركة صناعة الشاحنات التي تعد واحدة من العلامات التجارية الـ 12 التابعة لـ”فلوكسفاجن”.
في معظم الشركات الألمانية يمكن أن يناقش الرئيس مسائل حساسة مع جانب المساهمين أولا، للتوصل إلى اتفاق على موقف مشترك قبل أن يتم طرح المسألة على المجلس بكامله. في شركة فلوكسفاجن، خاصة في ظل الرئيس السابق فيرديناند بيتش، الذي كان مسؤولا من عام 2002 حتى هذا العام، سارت الأمور في الاتجاه المعاكس. يقول المدير السابق: “قد يتحدث بيتش أولا مع مجلس العاملين للتوصل إلى اتفاق حول الموقف، ومن ثم يطرح الموضوع على جانب المساهمين”.
أحيانا حتى هذا كان لا يحدث. في عام 2005 اتخذ بيتش جانب مجلس العاملين للتأكد من تعيين عضو “آي جي ميتال” رئيسا للموظفين في الشركة، خلافا لرغبة الرئيس التنفيذي لديه ومعظم مديري المساهمين.
هذا أدى إلى إيجاد جو يتم فيه حل المسائل الحساسة بعيدا عن مجلس الإدارة من دون إشراف أو رقابة إدارية. يقول أحد كبار التنفيذيين السابقين في الشركة: “في الحقيقة، كان المجلس فقط للاستعراض. لقد افتقدوا القدرة على طرح أية أسئلة فنية عميقة – وترى ذلك في الفضيحة الحالية”.في ظل رئاسة بيتش الذي كان أيضا الرئيس التنفيذي من عام 1993 إلى عام 2002 وفي قلب ما يسمى فضيحة لوبيز التي تنطوي على تجسس على الشركات في عام 1993، أصبح مبدأ التصميم التشاركي شيئا قريبا من الإدارة التشاركية، مع مساعدة العمال النشطة في تشكيل القرارات. جنبا إلى جنب مع وجود مقاطعة ساكسونيا في المجلس، كان ذلك يعني أن فقدان فرص العمل – ولا سيما في مصنع فلوكسفاجن الرئيس المشهور بأنه كان يفتقر إلى الكفاءة بجوار مقره في فولفسبيرج – من المحرمات. هنا يلاحظ النقاد مبدأ معاوضة الشيء بالشيء: يوافق بيتش على الحفاظ على الوظائف إذا عملت كتلة الموظفين معه في مبادرات أخرى.
أحد الأمثلة على تلك العلاقة الوطيدة بين رئيس مجلس الإدارة السابق والعمال ظهر عندما غادر جونار كيليان، المتحدث الرسمي باسم مجلس العاملين، للعمل في المكتب الشخصي لبيتش، فقط ليعود إلى مجلس العاملين بعد مرور بضع سنوات في منصب الأمين العام.
يقول عضو سابق في المجلس الإشرافي: “من الصعب المبالغة في نوعية الجو الذي ولده كل هذا. كان من الصعب جدا عمل أي شيء يمكن أن يؤذي العمال أو ساكسونيا. لكن فيما عدا ذلك، عمل على قتل المجلس بوصفه مكانا للنقاش السليم”.
يقول أعضاء حاليون وسابقون في المجلس الإشرافي إنهم لم يكونوا يعلمون شيئا عن الغش في الانبعاثات ولم يناقشوا أبدا مسألة المحركات التي تم التلاعب بها. يقول أحدهم: “المسائل المتعلقة بالخبرات الفنية لم تكن من اختصاصنا”. ويعبر مدير حالي عن استيائه الشديد بسبب فشل الإدارة في شركة فلوكسفاجن في إخبار المجلس عن المشكلة لمدة أسبوعين في أيلول (سبتمبر). ولا ينبغي كما يقول، إلقاء اللوم على المجلس الإشرافي: “ليس لهذه الفضيحة أي ارتباط، ولو بسيطا، بمجلس المشرفين”.
آخرون لا يوافقون على ذلك. يقول كريستيان سترينجر، الخبير الألماني في حوكمة الشركات: “يبدو أن النظام الرقابي للمجلس الإشرافي كان معيبا”. ويطالب بأن يكون نصف أعضاء مجلس الإدارة العشرة الذين يتم تعيينهم من قبل حملة الأسهم، من خارج الشركة فعلا. “الأمر الحيوي الآن هو تعويض كبير للمجلس الإشرافي. ما هو مطلوب الآن هو شخصيات محنكة لتعمل قوى موازنة مقنعة للعائلات ولساكسونيا وقطر”.المستثمر الناشط، هيرت، يدعم فكرة جلب أشخاص جدد إلى المجلس ويقول: “المجلس الإشرافي يعين الإدارة. ومن الغريب بعض الشيء أن نقول إنها لا ترتبط بالمجلس الإشرافي”.
كثيرون غير مرتاحين فيما يبدو للدور الجديد الذي يضطلع به بوتش رئيسا لمجلس الإدارة، رغم سمعته الجيدة مديرا ماليا، كونه كان جزءا من مجلس الإدارة طوال فترة الفضيحة. يقول أحد المستثمرين: “أعتقد سيتم تدمير بوتش”، مضيفا أن هناك حاجة إلى شخص غريب لإصلاح المجلس بصورة تامة.
وخلال العقد الماضي فشل عديد من المحاولات لإحداث تغيير جذري في الطريقة التي تتم فيها إدارة “فلوكسفاجن”.
عقب فضيحة عام 2005، عندما استأجر تنفيذيون بغايا واشتروا فياجرا لأعضاء مجلس العاملين، حاولت الإدارة تفكيك النظام. أنهت حينها نظام العمل 29 ساعة على مدى أربعة أيام في الأسبوع. وتطلع فولفجانج بيرنهارد، الذي خفض التكلفة والذي كان رئيسا للعلامة التجارية في “فلوكسفاجن”، إلى إغلاق بعض العمليات التشغيلية الأقل ربحية. لكن النظام استطاع الصمود، لأن بيتش ثبت الرئيس الجديد للموظفين، ومن ثم أطاح بالرئيس التنفيذي، تاركا بيرنهارد يستقيل.
بعد مضي بضع سنوات، أعلن فينديلين فيديكينج، الرئيس التنفيذي لبورش، التي أصبحت أكبر مساهمي “فلوكسفاجن”، ضرورة ألا تكون هناك أي بقرات مقدسة في “فلوكسفاجن”. واعتبر العمال هذا إشارة إلى أن الوظائف قد تتعرض لتهديد، لكن عندما تعرضت بورش لمشكلات مالية في عام 2009، انقض بيتش واشترت “فلوكسفاجن” الشركة الصانعة للسيارات الرياضية.
ويأمل بعضهم أن ترغم فضيحة الانبعاثات “فلوكسفاجن” على التغيير. فللمرة الأولى خلال العقدين الماضيين، لا يمتلك بيتش أي دور قيادي رسمي في الشركة. وهناك دماء جديدة في منصب رئيس مجلس الإدارة، ومن خلال ماتياس مولر، التنفيذي السابق في بورش الذي تم تعيينه رئيسا تنفيذيا بعد أن طالت فضيحة الانبعاثات سلفه، مارتين وينتركورن.في ظل رئاسة وينتركورن، أصبحت “فلوكسفاجن” معروفة – على حد تعبير أحد المديرين السابقين – بأنها “ديكتاتورية”. يقول العضو السابق في المجلس: “لم يكن مسموحا بأي معارضة. كل شخص كان يعاني جنون العظمة، وكلهم كانوا خائفين من أن يتم طردهم”.
تعهد مولر بتغيير ثقافة الشركة، لكنه يواجه فعليا تساؤلات حول دوره في الفضيحة. ويتحدث منظمون أمريكيون عن احتمال تورط بورش في هذه القضية، التي قد تهدد صدقيته بوصفه يريد تنظيف الشركة.
يقول مولر إنه يريد الحفاظ على أفضل الأجزاء في أسلوب الشركة في تنفيذ الأعمال بما في ذلك “السعي نحو الكمال”. وقد ساعد في تثبيت هيكل جديد كان مقررا منذ فترة طويلة لمجموعة “فلوكسفاجن” يتم بموجبه منح العلامات التجارية الـ 12 مزيدا من المسؤولية. وقال الشهر الماضي: “النقطة الرئيسة هي أن إدارة المجموعة ستكون لامركزية إلى حد أكبر في المستقبل”.
يعتبر هذا أمرا مهما للغاية في العلامة الرئيسة للشركة، التي تكمن مشكلاتها في الولايات المتحدة وراء فضيحة الانبعاثات. ولدى العلامة التجارية لـ”فلوكسفاجن” أيضا رئيس جديد، هو هيربيرت ديس، التنفيذي السابق لدى بي إم دبليو، الذي يرث عددا كبيرا من المشكلات تراوح من الربحية الضعيفة إلى المبيعات الضعيفة في الولايات المتحدة.
يقول أحد كبار التنفيذيين في الشركة إن ديس كان مصدوما في المرة الأولى التي مشى فيها في أرجاء مصنع فولفسبيرج. “لقد كان مستاء جدا، يهز رأسه منزعجا. يبدو أن الوضع يفتقر تماما إلى الكفاءة”.
وتنتج شركة فلوكسفاجن تقريبا عدد السيارات نفسه الذي تنتجه شركة تويوتا – عشرة ملايين سيارة في عام 2014 مقابل تسعة ملايين سيارة للشركة اليابانية – لكن لديها تقريبا ضعف عدد العمال – 593 ألفا مقابل 344 ألف عامل. ويلقي المحللون باللوم أساسا على مصانع الشركة الألمانية ويشيرون إلى أن التغيير صعب لأن كلا من النقابات ومقاطعة ساكسونيا يقاومان فكرة خفض الوظائف. ويقول شخص قريب من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم في مقاطعة ساكسونيا: “يتمثل دورنا في حماية الوظائف”.
والمسؤولون التنفيذيون في “فلوكسفاجن” واضحون أيضا حيال ما هو ممكن وما هو غير ممكن. وكانت تصريحات مولر مشابهة لتلك التي أدلى بها كل من بيرند أوسترلو وستيفان فايل، رئيس مجلس العاملين والوزير الرئيس في مقاطعة ساكسونيا، على التوالي. وجال الثلاثي أخيرا في مصنع فولفسبيرج في استعراض يهدف إلى طمأنة العاملين.
يقول أحد كبار المديرين: “نحتاج إلى ثقافة جديدة، إلى هذا الحد هذا صحيح. لكن أن نعمل على تغيير نظام الشركة، أو نسبب الانزعاج للعمال أو مقاطعة ساكسونيا، لا أعتقد أن لدينا الوقت أو الطاقة لعمل ذلك. هذه هي تماما القيود التي ستضطر إلى القبول بها عند إدارة شركة فلوكسفاجن”.

