Pdf copy 1

يونس السيد 
بعد أيام قليلة من زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن واجتماعه إلى الرئيس باراك أوباما، أطلقت الولايات المتحدة سراح جوناثان بولارد الجاسوس «الإسرائيلي» الشهير، الذي تحول إلى رمز للجاسوسية في العالم، بعد نحو 30 عاماً قضاها في السجن، لتنتهي بذلك أطول «أزمة» من نوعها استمرت لعقود بين الجانبين.
بهدوء غير معهود، خرج بولارد من سجنه بولاية نورث كارولينا، رافضاً التعليق، لدى مواجهته الصحافة، على أي شي، فيما تقمص نتنياهو وأركان حكومته هيئة القديس الذي يريد أن يدفع الأمور إلى نهاياتها، أملاً في التخلص من قضية الإفراج المشروط وتمكينه من القدوم إلى الكيان، وأوعز نتنياهو إلى وزرائه بعدم المبالغة في «الترحيب» كي لا يفسدوا الأمر.
لم يكن بولارد، الذي شغل منصب محلل في الشؤون المدنية لدى استخبارات البحرية الأمريكية، جاسوساً عادياً، فقد قدم كنزاً من المعلومات من خلال نقل آلاف الوثائق «السرية للغاية» عن أنشطة التجسس الأمريكية على العرب خصوصاً، بما في ذلك تقارير استطلاع عن مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وأخرى عن العراق، وتقارير عن القدرات الإنتاجية السورية للسلاح الكيماوي، وشحنات السلاح الروسية إلى سوريا وغيرها من الدول العربية.
وعلى الرغم من إنكار الكيان، في البداية، لعلاقته ببولارد، إلا أنه عاد في النهاية واعترف بهذه العلاقة، ومنحه الجنسية «الإسرائيلية»، بعد أن كان بولارد قد اعترف بجرائمه التجسسية التي ألحقت أضراراً كبيرة بالولايات المتحدة وفق مسؤولين أمريكيين رافضاً إبداء أي ندم على ذلك. وبضغط من اللوبيات الصهيونية وقادة الكيان تم ترتيب صفقة جرى بموجبها استبعاد عقوبة الإعدام بحقه بالسجن لسنوات عديدة، حسمها القضاء الأمريكي، في النهاية بالسجن مدى الحياة.
ومع ذلك، وعلى مدار سنوات حكم 5 رؤساء أمريكيين بمن فيهم أوباما، استمرت المحاولات والمطالبات «الإسرائيلية» بإطلاق سراحه، إلا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضت ذلك، وعندما حاولت واشنطن استخدامه، في مرات كثيرة كورقة ضغط في سياق البحث عن تسوية للصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، سرعان ما انهارت تلك المحاولات لتعنت الكيان أولاً، وللمعارضة الشديدة التي أبدتها وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، إلى الدرجة التي هدد فيها جورج تينت رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» الأسبق بالاستقالة إذا ما تم إطلاق سراحه.
السبب المباشر والمعلن لإطلاق سراح هذا الجاسوس الخطر، هو تدهور حالته الصحية، لكن هذا التبرير الساذج لا يقنع أحداً، بل يثير أسئلة جدية عن السبب أو الأسباب الحقيقية وراء ذلك، وفي هذا التوقيت بالذات. 
فالواقع يشي بأنها تدخل في سياق المصالح المتبادلة بين الجانبين، وسياسة احتواء العلاقات المتوترة والمضطربة بينهما، التي جرى التفاهم عليها بين أوباما ونتنياهو مؤخراً، والتي أثمرت صفقة جديدة من هذا النوع، جرى ترتيبها وإخراجها بعناية وهدوء على هذا النحو، لامتصاص الغضب الصهيوني من الاتفاق النووي الإيراني، إلى جانب أسباب أخرى كثيرة يأتي في مقدمتها الانتخابات الأمريكية، وحاجة «الديمقراطيين» الأمريكيين إلى كسب ود الكيان والجاليات الصهيونية في الولايات المتحدة على أمل أن تتم ترجمة أصواتهم في صناديق الاقتراع.

التعليقات معطلة