بقلم: قاسم ماضي
تقول فلسفة الروائية نيران العبيدي في روايتها “منعطف الصابونجية”: “كلنا من آدم وحواء، لدينا فرصة واحدة كي نعيش بهذه الحياة، ونتمتع بها، وهذه هي الغاية الأساسية للحياة ، وأي شيء آخر اضافات لا داعي لها، نحن أضفناها كي تكون قيوداً نقيد بها أنفسنا”.
ويقول نيتشه: “على المرء أن يعرف كيف يحفظ ذاته، ذلك هو أقوى اختبار للاستقلال”.
إذن لها مراجع مهمة في حياتها، أخذتها واشتغلت عليها عبر منجزها الروائي والقصصي، وهي تؤكد لنا عبر حوارات الرواية البسيطة، والمفعمة بالفلسفة والحس المأساوي لشخوصها الواقعية والمتخيلة، رافضة أن تكون روايتها وثيقة تاريخية، مؤكدة على روايتها هي أقتراب من الواقع لكنه يبقى محلقا ً في آفاق رحبة يمتزج فيه الخيال بالواقع.
“أسباب وأسباب أسوقها لمعرفة ما يدور حولي، أحاديثهم كلها تتحدث عن السياسة”.
ربما جاءت قراءتي متأخرة عن هذه الرواية التي أهدتها لي الرائعة نيران العبيدي في كندا، بسبب المشاغل التي تحطينا من كل صوب وحدب وإنشغالنا بأمور الوطن العاج بالمشكلات التي تسبب بها سياسيون فاشلون وفاسدون الذين تطفح روائحهم العفنة من خلال أنساق متنوعة في هذه الرواية عبر تاريخ مر ممزوج بالآهات التي لا تتنهي عبر شريط فاضح إختارته العبيدي، وهو يمر عبر مخيلة الروائية.
“للنجف للنجف دمه يسيل وما نشف”.
وأعتقد هذه القاصة العبيدي صاحبة المجموعة القصصية المعنونة “فيروز الاحدب” تلوح في الأفق القريب ومن خلال منجزها القصصي والروائي، بالرغم من قلته سيكون لها الدور الأساسي في الحركة السردية العراقية والعربية، ولكونها تعكف على مشروعها الادبي وتحاول ولوج مناطق أدبية غير مأهولة من ذي قبل وهي الآن تعيش في الإغتراب، وتعطي ومن خلال ما تقدمه من فضح واضح لكل ما هو قبيح في عالمنا العراقي والذي حددته في منطقة “الصابونجية” تلك المحلة البغدادية القديمة المثيرة للجدل والتي استخدمتها الروائية كإطار مكاني لأحداث الرواية، لأنها أحبت الإلتزام بما يفيد البشرية، إنطلاقاُ من حسها الإنساني، الذي تعاملت معه كما يتعامل الفلاسفة الذين سبقوها،
وحتى تنطلق من فضاء المعرفة وهي تستصرخ كل ما يحيطها عبر شخوص روايتها التي جعلت منهم متنفساُ كي تدحر زمنها الأغبر هذا الذي تداخل فيه كما يقال “الزين والشين”.
حتى ما عدنا نميز الأسود من الأبيض في ظل الصراعات الإنسانية بين دول العالم، والروائية العبيدي التي تصف روايتها والتي اعتمدت على الكثير من المعلومات القيمة المستقاة من كتاب أمين المميز المعنون “بغداد كما عرفتُها” وكذلك اعتمدت على الحوادث التاريخية في كتاب “العراق بين احتلالين” وهي تدخل عالم الرواية، عبر روايتها الجديدة والصادرة عن دار ضفاف، وهي من القطع المتوسط وتقع في 130 صفحة.
وُظفت هذه الرواية لتستوعب مشاكل الأجيال، والحضارات للحاضر والمستقبل، وهي تمزج ثيماتها بين السياسة والمرأة، والتي أرادت أن تكون هي الرابحة في ظل التسلط من قبل الرجل، وهذا الانتصار الذي وظفته عبر سردها “المحكي” للمرأة التي هي تريدها، مستخدمة كل إمكاناتها المتخيلة لتنتج وعبر نسيجها الغوي الذي مزج الأمثال الشعبية، ما رسخ للكثير من التفاعل في حكبة الرواية باعتبارها المنظم والمنسق للأحداث والأفعال، مفعم بالعديد من الصور التي عملت عليها لتجذب القارئ عبر سردية فيها الكثير ويبدو الثقافة المعاصرة، وحركة الحياة المضطربة.
الان، نتيجة الصراعات والانقسامات، ساعدتها في رسم، وتسجيل الإضافات، والكشف عن المزيد المخفي بين الجدران وخارجها، وهل هي خرجت عن المألوف والضوابط والتحديد والدقة، رسمت شخوصا كثيرة عاشت في مستنقع الرذيلة أمثال “بدرية” وغيرها من الشخوص التي تركت فينا هذا الأثر السلبي لما وقع في المرأة من جرّاء الظروف التي تحيطها.
هل هذه ظواهر ماضوية، رصدتها وحركتها، وقدمت شيئاً للحاضر والمستقبل في ظل المناشدة التي ارادتها لتكون خارطة طريق لحياتنا، ووظفت الكثير من الأمثال الدارجة آنذاك لتكوّن رؤية لما تريد قوله من خلال شخصية “الغائب” المخاطبة لنا، وبألتاكيد هذه الشخصية التي أفصحت ما بإعماقها من طلاسم أرادت ايصالها، وهي بالتالي تروم الى استنشاق نسمة هواء تبعث روحها في هذا الزحام من الناس وهي تتصفح دفتر ذكرياتها، عبر شخوص واقعية أو متخيلة،
ولدت لها هذه المنعطفات الكثيرة، ولأن الكتابة هي وسيلة تعبير عن النفس، والإنسان، والحياة، والمشاعر، والأفكار، وكذلك الرؤى، وكما يقال الكتابة “هي روح الحياة”.وكما تقول العبيدي: لا يخفى على القارئ الكريم، أن أي عمل إبداعي فيه خلق وابداع واعادة خلق، ولا يوجد عمل إبداعي فيه بدون سند اجتماعي، وموروث شعبي وتاريخي، لقد اعتمدت في هذه الرواية على الكثير من المعلومات القيمة المستقاة من كتاب امين المميز “بغداد كما عرفتُها” كذلك اعتمدت على الحوادث التاريخية التي أوردها المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتاب “العراق بين احتلالين” وصغتها بإسلوب أدبي روائي، لكن العمل الأدبي لا يعد وثيقة تاريخية بأي حال من الأحوال،
فهو وأن اقترب من الواقع لكنه يبقى محلقاً في آفاق رحبة يمتزج فيه الخيال بالواقع، عبر أحداث متخلية وشخوص مفترضة بعثت فيها الروح لتتحرك ضمن إطار زمني يعود لحقبة زمنية من تاريخ العراق المعاصر.
وحاولت أن تشتغل على تلك الشخصيات من خلال أبعادها النفسية من خلال الحوارات الداخلية (المنولوجات) التي مثلت حالة من البوح التي تسبر أغوار الشخصية على لسانها هي. والعبيدي التي مرت بأحداث مهمة وخاصة نحن الذين نعيش في “بغداد” جعلتنا ندور في أخطبوط الاحزان من خلال لغتها التي تجولت بها، محاولة السطو على عقل القارئ لتلك الرواية من خلال أمكنة وأزمنة لا زالت عالقة في ذاكرة الكثيرين.
يقول عنها الناقد حسين سليمان: على القارئ أن يشرك العقل في تحليل الحدث وتأويله واستنطاق المتكلم في كل فصل من فصول الرواية، ومعرفة هويته وبالتالي إحالة الفصل إليه، إنها الطبيعة “الفوكنرية” التي لا تفضح كثيراً، وهي تنسج مفردة مهمة عبر اشتغالها على التراث والشعر العربي القديم.
وعمدت كاتبة الرواية الى استخدام لغة فصحى مطعمة بلهجة بغدادية قديمة تجسدت في بعض الامثال والحكم الشعبية ذات البعد الفلسفي الذي يناسب الحدث الروائي المطروح مثل “يا حافر البير لا تغمك مساحيها خاف الفلك يندار وأنت َالتكع بيها”.
“مات اللمبجي داوود وكومن خواتي نعزي فطومة” أحدهم نادى على سيدة صمانجي، تفضلي، بعدها استقبلتني رياح باردة عصفت بي من باحة الحوش تجاه المجاز المظلم”.

