Pdf copy 1

عمادالدين موسى 
قصيدة النثر المغربية التي تكتب اليوم تعد من أهم ما يكتب في الشعر العربي، نظرا إلى أن جيلا جديدا من الشعراء المغاربة نحتوا لأنفسهم تجارب مختلفة مؤمنين بالتجريب والنص بعيدا عن الزخرف المتداعي، ويعد عبدالرحيم الخصار من أبرز شعراء قصيدة النثر المغربية اليوم لما لنصه من روح معاصرة ملتحفة بالدهشة.
كل قصيدة في المجموعة تكاد تكون حكاية شعريّة
في مجموعته الشعريّة الأخيرة “بيت بعيد”، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، يؤكّد الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار أنّ “المعاني لم تعد ملقاة في الطريق” بل هي في صميم الحياة، حياتنا. وما على المبدع سوى الكشف عنها، بإخراجها من الحيّز المخفيّ إلى العلن. تلك المعاني الزاخرة بالأحاسيس المنطفئة، ما أن تلمس حتى تعود إليها الحياة، وكأنها “مثل الجوزة لا بد من كسرها لتكتشف” على حد تعبير جبران خليل جبران. دون أن يغفل دور القارئ، داعيا إيّاه للمشاركة في العمليّة الإبداعيّة، وذلك من أجل منح النص معناه الحقيقيّ، فالنص بدوره لا معنى له دون متلق يتلقفه، لذا نجده يقول “سوف تدمع عيناك/ وأنت تقرأ هاته الكلمات/ مثلما دمعت عيناي/ وأنا أكتبها”.
تنقسم قصائد مجموعة “بيت بعيد”، إلى ثلاثة نماذج رئيسية، مرتبة بشكل تسلسليّ، تبدو وكأنها ثلاث مجموعات ضمن مجموعة واحدة، في النموذج الأول القصائد قصيرة، كل واحدة حوالي صفحة أو أقل، يمكن أن ندرجها تحت مسمّى “قصيدة نص”، وكل قصيدة تكاد تكون عبارة عن حكاية شعريّة من جملة واحدة طويلة، تستلهم أجواء الطفولة كما لو أنها أحلام قادمة من تلك العوالم المليئة بالألفة والذكريات الآسرة، وتمتاز بالسلاسة اللغويّة والدفق الشعوريّ مع وجود عنصر التشويق فيها، إضافة إلى الإدهاش والتوتّر، بؤرة الشعرية، في النهايات.
هذا النموذج قريب إلى حدّ ما من القصة القصيرة جدا (ق.ق.ج) من حيث الأسلوب والأدوات. كما في قصيدة “اختلفنا” وفيها يقول “كنا نعتقد أن خطواتنا تكفي لتزيح عنا ظلام الطريق، لكن العالم لم يعد كما كان، ونحن يا صديقي قبل أن نجد الباب ضيعنا المفاتيح. لا تنظر إليّ فلن أنظر إليك، نحن نمران في غابة واحدة، أنت تشهر مخالبك في وجه كل وهم يمرّ، وأنا أحتمي بوداعتي”.
بينما في النموذج الثاني القصائد طويلة نسبيّا، وموزّعة بالطريقة الهرميّة الدارجة، فيها الجمل -داخل السطر الواحد- تطول وتقصر، تبعا لحرارة الأحاسيس ودفقها. وهو ما نجده في قصيدة “الساحر” وفيها يقول “أضع يدي في القبعة/ وأخرج خوذة نما فيها العشب/ خوذة الجندي التي تغنى بها شاعر من اليونان/ أضعها أصيصا على عتبة البيت/ أخرج بنادق الحديد وأحوّلها لعبا للأطفال/ أجعل عربة السلاح مهدا والرشّاش مكنسة/ على فوهة المدفع/ سأبني عشا للطائر الذي شاخ/ وأزرع الرصاص في الأرض/ ليصير حقل ذرة”.
أمّا النموذج الثالث فالقصائد قصيرة جدّا ووامضة، عبارة عن لقطات/ أحلام/ تغريدات شذريّة مكثّفة، وغاية في البراعة والاختزال اللفظي، تدنو من قصيدة الهايكو، مع وجود اختلاف جليّ بينهما، كما في هذه المقاطع “كلاهما ينظر إلى الآخر بشجن:/ قمر الخريف/ وطفل بلا عائلة”، “أخرج الماضي من الباب/ فيعود من النافذة”، “الفراشة التي طارت/ من شفتيك هذه المرة/ لم تكن كلاما/ كانت قبلة”.
تحضر الثنائيّات والمتضادات بشكل ملحوظ في قصيدة الخصار من “الفرح- الحزن”، إلى “الجمال- القبح”، مرورا بـ”الوجود- العدم”، “النور- الظل”، “الغياب- الحضور”، و”الهدوء- الصخب”. وهذا قد أضفى المزيد من الجماليّة على الشيء بوضعه جنبا إلى جنب مع نقيضه، باعتبار (أحدهما إثبات للآخر، وليس تبادل أدوار). فلا معنى لليل دون نهار يتبعه ويجدّد معانيه، وما من قيمة حقيقيّة للفرح إن لم يأت بعد حزن. وهكذا بالنسبة إلى الحياة والموت، الحب والكره، الخير والشر.
مجموعة “بيت بعيد”، وهي الرابعة للشاعر عبدالرحيم الخصار، المولود في مدينة آسفي سنة 1975، بعد “أخيرا وصل الشتاء” 2004، “أنظر وأكتفي بالنظر” 2007، و”نيران صديقة” 2009. وفيها مهارة تعبيريّة واضحة وقوّة شعريّة عالية، فالخصار يبني قصيدته بدقّة وأناة كما ينبغي للعمل الإبداعي أن يكون. وكما الفنان ينحت في الصخر، نجد الشاعر يحفر عميقا في جسد اللغة

التعليقات معطلة