Pdf copy 1

مايكل ساينر 
سُئلت مرات لا حصر لها في السنوات القليلة الماضية عما إذا كان دونالد ترامب ديماغوجياً وكانت إجابتي دوماً، بحسب اعتقادي في الواقع، أنه ليس كذلك. ولكن من الواضح الآن مع تصاعد تجاسره على العقيدة الأميركية أنه قد أصبح ديماغوجياً. وهذه ليس مجرد مسألة في علم الدلالة. فمصطلح ديماغوجي عندما ينطبق على سلوك ما بشكل ملائم يجب أن يكون ناقوس خطر للديمقراطية.
والمسألة ليست جديدة، ففي عام 1838 أشار الكاتب الأميركي «جيمس فينيمور كوبر» إلى أن الديماغوجي الحقيقي تتوافر فيه أربع خصال: فهو يقدم نفسه باعتباره رجلاً من عامة الشعب ليمتطي موجة المشاعر القومية، مستغلاً العواطف المرتبطة بها لتحقيق مصالح سياسية، بما قد يهدد أو يخرق المبادئ الراسخة لنظام الحكم. وفي السابق كنت أرى أن «ترامب» لا تنطبق عليه الصفتان الأولى والأخيرة. فمن الصعب اعتبار شخص ثري مثله من عموم الشعب. وفي سباق الترشيح الرئاسي الراهن بدا كما لو أنه يريد نقل لغة أصحاب الأعمال إلى الحكم وليس تقويض الحكومة نفسها. ولكن في الآونة الأخيرة تجاوز «ترامب» هذه الخطوط أيضاً.
فعلى رغم كونه مليارديراً فقد قدم نفسه إلى الجمهور بصورة تخاطب بشكل مباشر القلق لدى «الأغلبية الصامتة» من الناخبين البيض من الطبقة العاملة والمتوسطة. وأصبح قريباً بشكل خطير من إقرار ليس فقط لغة التهييج بانتقاده الشنيع للمهاجرين من أميركا الجنوبية واللاجئين المسلمين، بل اقترب أيضاً من إقرار السلوك العنيف. فقد رد على حادثة تمت فيها مواجهة أحد المحتجين أثناء أحد اجتماعاته الانتخابية بالقول إن ذلك الشخص «كان يجب معاملته بخشونة». ووصف في برنامج «واجِه الصحافة» في الآونة الأخيرة إطلاق النار في منشأة لتنظيم الأسرة في كولورادو بأنه «مروع» ولكن في الوقت نفسه، أشار إلى ما وصفه بأنه الكثير من «القلق والكراهية لتنظيم الأسرة» وسط أنصاره الذين يحضرون اجتماعاته الانتخابية. وأظهر «ترامب» ولعاً ليس فقط بارتكاب أخطاء بل بإصراره عليها أيضاً مثل أكذوبة أنه شاهد «آلاف وآلاف» من الناس في «نيوجيرسي» يبتهجون بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وبينما لم يقل «ترامب» حتى الآن إلا أنه «يبحث بقوة» إغلاق بعض المساجد وأشار لفترة قصيرة إلى فكرة إقامة إدارة لتسجيل المسلمين. لكن حتى مجرد التلويح بهذه المقترحات يقوض قيمنا المدنية المشتركة.
وقد حذر ألكسندر هاملتون، وهو أحد الآباء المؤسسين في أميركا، من الزعماء الذين يبدأون في «تودد متذلل للشعب ثم يصبحون ديماغوجيين ثم ينتهي بهم الحال طغاة». وكذلك جادل جيمس ماديسون، وهو أحد الآباء المؤسسين أيضاً، بأن الجمهورية الموسعة وحدها هي القادرة على تبديد «التأثير الضار للديماغوجيين». وبسبب فكرة الآباء المؤسسين عن الديماغوجين ابتكروا سلسلة من العمليات الدستورية للمراقبة وضمان التوازن بين السلطات من بينها مجلس الشيوخ الأميركي الذي وصفه ماديسون بأنه «سياج ضروري ضد التقلب والأهواء». وهناك أيضاً المجمع الانتخابي الذي يستطيع ناخبوه المستقلون، نظرياً، أن يمنعوا ديماغوجياً من أن يصبح رئيساً.
ولكن حتى إذا لم يصل «ترامب» إلى البيت الأبيض فهو يستطيع أن يضر بالأمة بوسائل مختلفة وقد فعل ذلك بالفعل بإحراج الولايات المتحدة على المسرح الدولي وتأليب الأميركيين ضد بعضهم بعضاً. وتماماً كما يهاجم المرض الجسم فإن الديماغوجي يمثل خللًا داخلياً في الديمقراطية نفسها. ومن الحكمة أن نشخص المرض بدقة الآن. و«ترامب» ديماغوجي بالمعنى المبتذل وبكل ما في الكلمة من معنى ويجب مواجهته لهذا السبب. وإذا لم يجدِ هذا نفعاً، فهناك دائماً المجمع الانتخابي.

التعليقات معطلة