القاص / أدهام نمر حريز
في وسط سوق الحي القديم , حيث صخب المارة و اصوات البائعين و رائحة الماضي , كان هناك دكان صغير , فيه اقفاص صغيرة لعصافير مغردة و ملونة , جميلة الشكل و المنظر .
يملكه’ رجل كبير في السن , تظهر على محياه ابتسامة طيبة و كريمة , وروح مفعمة بالأمل , لا تفارق روحه المرحة ولا شفاهه التي تصيغ كلمات طيبة كالعسل , رغم ان في عينية بريق حزن من ذكريات قديمة .
كان جميع من في الحي يلقبونه ب ( ابو علي ) , رغم انه ليس له’ ابناء , وزوجته المقعدة بسبب الحرب توفيت قبل خمس سنوات.
فعاش كعصفور عاشق , يموت وحيدا اذا ماتت انثاه , حزنا على فراقها .
كانت ل ( ابو علي ) قصة حزينة , لا تقل حزنا عن قصة الوطن الجريح , فلحد الان يتذكر صوت زوجته التي تزوجها عن قصة حب , وكيف عاش حياته معها , حتى انه تذكر كيف تقدم لخطبتها فرفض اهلها في بدايت الامر فكرة زواجهم . حتى ان والدها رفض ذلك ولعدت عدة مرات .
وبعد تدخل الخيرين , والالحاح الشديد و التوسل , اقتنع والدها بالموضوع , فتزوج ( ابو علي ) من حبيبته , التي اصبحت شريكته في كل شيء في هذه الحياة .
ولكن الدنيا لم تترك ل ( ابو علي ) وقت طويل يعيشها في الفرح , فبعد زواجهما بعدة اشهر قامت الحرب .
كلما يتذكر ( ابو علي ) يعود بذاكرته حيث ازيز الطائرات وهي تحلق في سماء المدينة , تمنى ان يكون موجودا ساعة سقوط صاروخ الطائرة على البيت , لكان ارتاح من هذه الدنيا , فلقد شاهد عذاب زوجته وهي مقطعة الاطراف بعد القصف .
ولكنه بعد كل هذا الحزن و الذكريات المؤلمة , يعود ( ابو علي ) الى رباطة جَأشه فيمسح دموع عيونه , ويبتسم و يضحك مره ثانية , فلقد علمته العصافير , ان الدنيا كالسجن الكبير , ينتظر الانسان فيها الفرصة حتى تفتح باب القفص فيطير بعيدا كطائر حر .

