جمال جاسم أمين
– 1 –
منذ زمن ليس بالقليل والادبيات تترادف لتحليل ظاهرة العنف مرة او تفكيكها بغية معالجتها مرات أخرى، وفي كل الاحوال يظل الجهد وصفيا او نظريا بتعبير أدق لأن منابع العنف اجتماعية في جوهرها العميق وتتغذى على ثقافات كهنوتية باتت معروفة الخطاب والمغزى، والتساؤل الذي سيظل مغلقا هو: كم ستساهم هذه التحليلات في ايقاف نوبات العنف الدائر بين الجماعات المتحاربة والتي يطال اثرها الدولة والافراد؟ هل تصلح مثل هذه الظواهر الفادحة ان تظل مناسبة او فرصة بحثية للاكاديميات والدارسين ام ان الامر على حراجة أعلى ويحتاج الى ايقاف الضرر اولا؟.
ما يؤلم على هذا الصعيد ان السلوك العنفي شائك ومعقد الى درجة الصدمة والمفاجأة، بل ان الحد الفاصل بينه وبين السلوك المسالم احيانا يبدو واهيا حد التشبيح، هذا التوجس ما زالت تؤكده التجربة على الارض، المسالمون هم انفسهم احيانا مشروع عنف مضمر! قد ينفجر في خضم لحظة نفسية لا يمكن ضبط ايقاعها في حفلة الصراع المستمر، العنف والعنف المقابل.
لنتأمل في مغزى الشهادة التي ادلى بها (عباس بيضون) في معرض تقديمه لكتاب (في الاحوال والاهوال). يقول بيضون: (لقد تحطمت امامي، وبأي سرعة، تربية اشخاص قامت منذ الطفولة على التنازل واللين والدماثة بل ان اكثر هؤلاء سلاسة طبع كان احيانا الاعنف والاكثر عدائية). تأتي قيمة هذه الكلمات او الشهادة كونها صادرة من شاهد عصر راقب الاحداث التي انفجرت في بلده وتحول الناس فيها من الاستقرار والتسامح الى العنف والعنف المتبادل فراع هذا الشاهد ان اشخاصا يعرفهم بنفسه انخرطوا في القسوة رغم انهم لم يكونوا من اهلها من قبل. يضعنا هذا الكلام امام لغز التفسيرات وصدمة الموقف: هل العنف غريزة بشرية نائمة؟ هل التحريض فاعل على هذا المستوى؟. اظن ان مثل هذا الكشف الذي ينبغي ان يتبناه علماء السوسيولوجيا له فائدته واثره في رسم خطاطة حلول علمية قائمة على الرصد الدقيق للسلوك العنفي لا على التأويلات السياسية وحدها ذلك لأن مثل هذه التأويلات تنظر للنتائج وتهمل الجذور البعيدة والنسغ المضمر الذي يغذي هكذا سلوك كارثي مفاجئ وغير مسبوق احيانا.
أظن ان الدهشة ستظل قائمة امام عمليات التصفية الجماعية والقتل على الهوية وشهوة إبادة الآخر/ المختلف لا لشيء سوى انه (مختلف) وكأن الاختلاف وحده يكفي مبررا للابادة والتصفية.
في العراق لدينا شواهد مريرة على مثل هذا المنحى لعل آخرها وليس اخيرها السبي الذي تعرض له الايزيديون على يد عصابات الجريمة التي باتت تعبث بأمن الناس وحياتهم زورا وبهتانا.
– 2 –
على ضوء هذه المساءلة هل يمكن ان تكون اطروحة (اللاعنف) او (الأهيمسا) أي (الامتناع عن ايذاء أي كائن بشرا كان او سواه) واحدة من الاساليب الناجعة في مواجهة العنف الدائر؟.
اننا هنا نستحضر تجربة المهاتما غاندي وفلسفته التي اكتشف من خلالها (القوة الروحية في اللاعنف على المستوى الشخصي). بالطبع ليس من السهل استنساخ تلك التجربة كاملة لأن أي استنساخ تشويه لكن يمكن قراءتها على انها واحدة من التجارب الناهضة في مواجهة العنف المفرط. بالطبع سنجد من يفسر الامر على انه مثالية من نوع ما او إفراط في التسامح الى حد الضعف و الاهانة!.
ما نريد قوله بالضبط هو ان مثل هذا الاستدعاء للتجارب له اثره في تفكيك الظاهرة وفهم السلوك ومثلما هناك مفرطون في القسوة هناك ايضا من يفرط في التسامح وهذه هي رسالة التجربة الهندية التي قادها الاب الروحي (غاندي).
كم نحتاج من التنشئة على ثقافة السلم كي نصل لهذه الروح؟ نحتاج إعادة قراءة الأنساق المضمرة التي تتولى إدامة القسوة بطرق شتى.

