نوزاد حسن
في فيلم «الرسالة» لقطة مهمة تعكس شيئا من حياتنا اليوم وعلى الاخص حياة جميع النازحين في كل مكان من العراق. فالمهاجرون – في ذلك الفيلم – هم قبل كل شيء نازحون هاربون من بطش كفار قريش الذين اخذوا منهم كل شيء. وهناك في المدينة وجد المهاجرون انفسهم وحيدين بلا مال او متاع. كان لا بد من ايجاد حل سريع لهذه المشكلة, وكان الحل هو المؤاخاة وتقاسم لقمة الخبز. وفي الفيلم عانق المهاجر (النازح) ابن المدينة الذي قدم له كل شيء. هذه اللقطة شاهدناها عشرات المرات في وقت نرى فيه حال الملايين الذي واجهوا حياة قاسية لا تختلف عن بؤس القرون الوسطى حيث كانت الامراض والاوبئة, والجوع يفتك بالفقراء.
كيف يمكن ان نشعر بوضعية النازحين؟، وما هو تعريف النازح؟، انه باختصار شخص مسؤول عن عائلة وجد نفسه في العراء لأن خطر الموت داهمه. لنقل اعتمادا على لغة الفيلم هاجر الجميع من الانبار والموصل وصلاح الدين هربا من الموت والبطش الى مدن اخرى, ولكنهم لم يجدوا مفهوم المؤاخاة, وانما اصطدموا بمفهوم آخر هو انتظار يوم العودة. وقد يكون هذا الانتظار صعبا وثقيلا كما هو عند الفلسطيني الذي يريد ان يعود الى بلاده. والى ان تأتي لحظة الرجوع يظل النازحون يشعرون بحاجز نفسي يفصلهم عن الحياة من حولهم، وكل همهم هو ان تنتهي معاناتهم في اقرب فرصة.
في احياء بغداد (منطقة السفينة مثلا) توجد احياء ثانوية فقيرة ملتصقة لإيوائهم. لقد تم طبخ الصفقة بين مالك البيت وبين النازح. وأصل الصفقة هو الممر الذي صار بيتا او اي فراغ آخر يمكن ان يسقف ليكون سكنا لعدة افراد. اما النسبة الاكبر فقد سكنت تحت سقف خيمة, او «كرفان» على الرغم من صعوبة الحياة التي دفعت بالبعض الى الانتحار احتجاجا على سوء المعاملة والاهمال. ولأول مرة نرى الانتحار يأخذ شكل الاحتجاج, وهذا يعني رفض النازح لأوضاعه غير الانسانية.
ربما لم يكن كل الذين تركوا بيوتهم يعتقدون أنهم سيجدون عناقا مثاليا في انتظارهم لكنهم عرفوا فيما بعد ان الحياة اقسى, وان تفاصيل عيشهم هنا وهناك اكبر من ان تحتمل او تطول.
قبل ايام عرضت احدى الفضائيات برنامجا تقوم فكرته على اصطحاب عائلة لقضاء يوم واحد من الصباح الى المساء خارج «المخيم» الذين يعيشون فيه. يوم فيه اكل وشرب وشراء ملابس لكل افراد الاسرة. الفكرة تبدو جميلة وهادفة لكن النازح السجين تحت سقف خيمة او «كرفان» لا يشعر بتحرر روحه من سجن البؤس غير المفهوم الذي يعيش فيه، فهناك شيء غامض يسيطر على مزاج كل اولئك المنفيين الذين وجدوا في الانتحار حلا واقعيا ارحم من حياة لا يقدرون على مواصلتها. لكن السؤال الاهم هو: من يا ترى يفكر في هذه اللحظة بأن ينتحر..وهل هناك من سيساعده ويقول له توقف لا تحتج بهذه الطريقة؟.

