حازم مبيضين
أسفرت سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، عن واقع أليم تعيشه تركيا وقد ضرب أساس نشاطها الاقتصادي، حيث أدى انفجار في قلب اسطنبول السياحي إلى نتائج كارثية نتيجة السياسة الخارجية التركية، التي كانت بشّرتنا بصفر مشاكل مع الجوار ثم تحولت إلى 100 بالمئة مشاكل مع الجوار وغيره، ولعل المتابع لقفزات أردوغان البهلوانية كان يدرك بأن أنقرة ستصل إلى هذه اللحظة، التي ربما لن تقف هنا، وقد تتكرر في أية لحظة، وفي
أي مكان، حيث واجهت تركيا خلال أقل من شهر أربعة إخفاقات في أربعة أماكن مختلفة، وهي الدخول عسكرياً وعنوةً إلى منطقة بعشيقة العراقية ورفض الانسحاب منها رغم مطالبة الحكومة العراقية بذلك، وسقوط مدينة سلمى في ريف اللاذقية، كرمز احتضن المعارضين السوريين المدعومين من تركيا، وتفجير ديار بكر الذي نفّذه حزب العمال الكردستاني، وأسفر عن العشرات بين قتيل وجريح، بعد ساعات فقط من تفجير اسطنبول، وهذا يضيء على المعارك اليومية داخل العديد من المدن الكردية في تركيا، وبديهي أن كل ذلك يعود بالضرر على مصالح المواطن التركي بصورة مباشرة.
اتهمت أنقرة تنظيم داعش بتفجيرين، غير أن الدواعش لزموا صمتاً غير معتاد، فقد اعتدنا تبني التنظيم لأية عملية يقوم بها، كما حصل مؤخرا في جاكرتا، والمدهش أن رئيس الحكومة التركية اتهم داعش بتفجير اسطنبول، بعد ساعتين على وقوعه فهل يعني ذلك أن السحر انقلب على الساحر وبدأت مرحلة جديدة ضد حلفاء الأمس، كما تخبطت حكومة أردوغان
فاتهمت موسكو بأن طيرانها لا يفسح المجال أمام سلاح الجو التركي لقصف مواقع داعش، ما يثير سؤالاً لن نحصل له على جواب، أين كانت الطائرات التركية قبل التدخل الروسي؟ أم أنها كانت منشغلة بالهجوم على الكرد في أراضيهم وتطاردهم في سوريا؟. المهم أن تصريحات الأتراك المتناقضة وسياسات أردوغان تؤكد الانتقال من فشل إلى آخر، كان ذلك واضحاً في ضعف التضامن الخارجي معها بعد تفجير اسطنبول، وإذا استثنينا خسائرها الاقتصادية والسياحية المؤكدة، وتبعات ملف اللاجئين السوريين على أراضيها، فإن الإمعان في المكابرة والامتناع عن الاعتراف بالفشل، وفي دعم التنظيمات المتطرفة لن يجلب أي إنجاز أو نجاح، بل على العكس جلب لها فعلاً الفوضى والدم والقلق والخوف.
فيما يخص المسألة الكردية ينغمس أردوغان بالأخطاء، فهو كان وعدهم بتحسين علاقات الكرد بالسلطة الحاكمة في أنقرة، لكنه عاد فشن عليهم حملة عسكرية، وحكومته مرتبكة في علاقتها بالطائفة العلوية، فهي تغازلهم في تركيا وتحاربهم في سوريا من الناحية الثانية، وإن شئنا الدقة فإن العام الماضي تميز بتراجع السياسة الخارجية التركية، نتيجة تداعيات الأزمة السورية التي فرضت تحولات في المشهد الإقليمي، بعد سقوط الرهانات على مآلات «الربيع العربي»، وانكسار موجة صعود قوى الإسلام السياسي، كما أن السلطان لم يتورع عن إرسال عسكره إلى عمق الأراضي العراقية، وواصل التحرش بالقاهرة على خلفية سقوط حليفه الإخواني، وختمها بقرار إسقاط طائرة روسية، فتلبدت الغيوم مع موسكو التي لن تغفر له، فشل في إقامة منطقة آمنة شمال سوريا، وفي إقناع الغرب بأن قوات حماية الشعب الكردية ليست أكثر من منظمة إرهابية يجب القضاء عليها.
كان البديل عند أردوغان هو تعزيز العلاقات مع السعودية، أسس معها مجلساً للتعاون الستراتيجي، على أمل أن تلعب الرياض دوراً في ترطيب العلاقة مع القاهرة، سعياً لخلق محور سني لمواجهة إيران وحلفائها، ورحب بالتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، فأنشأ قاعدة عسكرية في قطر، ولم ينس إحياء علاقات بلاده مع إسرائيل رغم كل الجعجعة حول حقوق الفلسطينيين، إضافة إلى المماطلة الأوروبية في قبول تركيا عضواً في عائلتها، التي واجهها بدعم تدفق اللاجئين السوريين إلى شواطئها دافعاً إياها لإحياء المفاوضات التي كانت دخلت مرحلة الخمول والنسيان.
داخلياً ظل أردوغان يزعم أن الديمقراطية تسود بلاده، لكن العديد من الدلائل برزت صارخة لدحض هذه المقولة، فقد ضاق ذرعاً برفض عدد من الأكاديميين والمثقفين لسياسته، فاعتقل العديد منهم ووصفهم بالمحرضين على الكراهية والعداوة وبأنهم ظلاميون وجهلة، واتهمهم بنشر دعاية إرهابية، لأنهم شددوا على انتهاك الحكومة لحقوق المواطن في الحياة والحرية والأمان، ومناهضة التعذيب وضروب المعاملة القاسية، التي يحميها الدستور والأعراف الدولية، وحرّض إدارات الجامعات على محاسبة ومعاقبة هؤلاء، وصولاً إلى طردهم من وظائفهم، ولقي كل ذلك تنديداً من الاتحاد الأوروبي باعتباره ترهيباً، وطالب بالإفراج عن المعتقلين، كما أن أحزاب المعارضة اعتبرت هذه التصرفات خطيرة وغير مقبولة ولا قانونية، وتعهد أكثر من 2000 محام بتوفير دعم قانوني مجاني للأكاديميين المعتقلين، حتى أن السفير الأميركي، قال إنه يجب أن تكون للمواطنين فرصة التعبير عن آرائهم، حتى لو كانت مثيرة للجدل.
الأخطر والأكثر مدعاة للقلق يكمن في أن سياسات أردوغان ستنشئ جيلاً من الشباب المتأسلم، والمؤمن بطروحات ومنهج حزب العدالة والتنمية، القائم على دعم التطرف وتبني العنف، وهو ما يوفر البيئة الملائمة لزرع بذور العنف في التعاطي مع أية مشاكل داخلية أو خارجية، وتبني منطقٍ لا تسامح فيه ولا تسويات في العلاقة مع الآخر، وهو ما يحول تركيا أردوغان السلطانية إلى بلد يستولد ويصدّر العنف والبغضاء والتطرف والتكفير، وهذا بالتأكيد ما لا يريده الشعب التركي ولو أنه صوّت لأردوغان في انتخابات يسودها الالتباس.

