Feature

يونس السيد 
تزايد الحديث في الأسابيع الأخيرة عن تحركات فلسطينية واتصالات تجريها قيادة السلطة لعقد «مؤتمر دولي»، أملاً في التوصل إلى تسوية تنهي الاحتلال «الإسرائيلي»، وتوقف الاستيطان وتوفر الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وفق ما يراه المتحمسون لهذه الفكرة والمراهنين عليها لحل الصراع المحتدم مع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. 
الفكرة بحد ذاتها ليست جديدة، فقد سبق أن طرحت مرات عدة إبّان «مرحلة الثورة»، أي قبل توقيع اتفاق أوسلو، وفي ظل وجود معسكرين في الساحة الدولية، أحدهما كان المشروع الوطني الفلسطيني يستند إليه في بعده الدولي، ولم ير «المؤتمر الدولي» النور لأسباب كثيرة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو أيديولوجي، لكن الأهم من ذلك هو رفض الكيان الصهيوني المطلق للفكرة من أساسها، وإصراره على عدم إضفاء أي بعد دولي لأي تسوية مع الجانب الفلسطيني. ولهذا ولد اتفاق أوسلو كنتاج لمفاوضات ثنائية سرية بين الجانبين، في الوقت الذي كانت تدار فيه مفاوضات علنية منبثقة عن «مؤتمر مدريد» الذي عقد عام 1991، وأدخل فيه الجانب الفلسطيني تحت مظلة الوفد الأردني، انطلاقاً من القاعدة ذاتها وهي عدم التفاوض المباشر مع الفلسطينيين تحت مظلة دولية. 
اللافت هنا أن إحياء الحديث عن عقد «مؤتمر دولي» يترافق مع هبة شعبية فلسطينية شاملة ضد الاحتلال، يقودها شبان وشابات ولدت أغلبيتهم الساحقة بعد أوسلو، ومع أحاديث متواترة عن قرب انهيار السلطة، وعن استعدادات من جانب الاحتلال لمواجهة مرحلة ما بعد انهيارها، فيما تسعى السلطة وأجهزتها الأمنية إلى وقف هذه الهبّة الشعبية عربوناً لبقائها، من دون أن تدرك أن هذا الجيل الجديد، المتحرر من أي التزامات تجاه السلطة، هو الذي يملك الكلمة الفصل، وقد قال كلمته بالفعل، فهو لا يعترف باتفاق أوسلو ولا ب«التنسيق الأمني» مع الاحتلال، ولا بالمفاوضات التي جربت لأكثر من ربع قرن وماتت حتى شبعت من الموت ويراد بعث الحياة فيها من جديد. إنه جيل لا يعرف إلا طريق مواصلة الكفاح والصراع مع العدو على الأرض وفي الميدان باعتباره الطريق الوحيد المؤدي للتحرر والخلاص من هذا الاحتلال. في الأصل، فكرة «المؤتمر الدولي» والمفاوضات هي فكرة العاجز عن مواصلة مشروع التحرر الوطني، ولو سلّمنا جدلاً أن هناك الكثير من الثورات وحركات التحرر تفاوضت مع أعدائها، فإنها كانت تسعى، على الأقل، إلى تعديل موازين القوى بدلاً من إحداث المزيد من الخلل فيها. وإذا كانت الفكرة قد فشلت في ظل ظروف وموازين دولية، ربما تكون أفضل كثيراً من الظروف الحالية، وإذا كان الجيل الفلسطيني الجديد قد أدرك استحالة إزاحة الاحتلال بالمفاوضات، فإن عودة الحديث عن تحركات لعقد «مؤتمر دولي» يتحول إلى ثرثرة لا طائل من ورائها، وحتى لو عقد مثل هذا المؤتمر في ظل الظروف وموازين القوى الحالية، فلن يكون هناك طائل من ورائه أيضاً، خصوصاً أن الكيان الصهيوني الذي يقوده اليوم عتاة التطرف والاستيطان يعلن مع مطلع كل يوم أنه لن يتخلى عن شبر واحد من فلسطين المحتلة، لا بالمفاوضات، ولا بغيرها.

التعليقات معطلة