Pdf copy 1

فينسينت بولاند
كانت كارولين ديفلين متطرفة جدا بسبب الأعوام الستة التي انتظرتها لتلقي العلاج لحالة طبية مؤلمة، حيث إنها على وشك أن تفعل شيئا لم تفعله من قبل: التصويت.
في الانتخابات العامة يوم الجمعة، الأم لطفلين، البالغة من العمر 43 عاما، ستكون واحدة من عدد متزايد من أفراد الشعب الإيرلندي الذين سيدلون بأصواتهم لحزب شين فين، وهو حزب خرج من حالة عزلة خلال الأعوام الـ 20 الماضية، ليصبح القوة الأكثر جذرية وتميزا في السياسة الإيرلندية.
تقول ديفلن، التي تعاني مرضا لا علاج له: “أنا لم أكن من الناخبين، والآن متحمسة لذلك. سأصوت لحزب شين فين، ولا اعتقد أنني سأصوت لأي شخص آخر على الإطلاق”.
يتم خوض الانتخابات بشكل متقارب للغاية في إيرلندا منذ أعوام. وإذا كانت استطلاعات الرأي ستتحول إلى واقع، فإن حزب شين فين يمكن أن يحقق أكبر المكاسب. فهو على الطريق الصحيح لمضاعفة ما حصل عليه في الانتخابات الماضية في عام 2011، عندما فاز بنسبة 10 في المائة من الأصوات وزاد ممثليه في ديل Dáil، البرلمان الإيرلندي، أكثر من ثلاثة أضعاف إلى 14 نائبا.
لقد فعل ذلك من خلال وضع نفسه باعتباره البديل الجذري لإجماع الوسط في السياسات الإيرلندية التي يزعم أنها ساهمت في الأزمة المالية في البلاد. ويستهدف حزب شين فين شريحة واسعة من الناخبين الإيرلنديين – العائلات الشابة، والطلاب، وأولئك الذين ينتظرون الحصول على الرعاية الصحية، والمزارعين الصغار – الذين، كما يقول نشطاؤه، هم الضحايا الحقيقيون للأزمة، الذين تضرروا من سياسة التقشف، والأسهم السلبية، ونقص المساكن المعيق.
يقول أوين أوبروين، مرشح الكتلة النيابية لحزب شين فين في ضاحية كلوندالكن مترامية الأطراف في دبلن حيث تعيش ديفلين: “هذا سيكون بمنزلة إنجاز انتخابي بالنسبة لنا”. لقد ضمن صوت ديفلين بعد أن تدخل قبل بضعة أشهر للتأكد من أنها ستحصل أخيرا على العلاج الطبي.
الأحزاب الرئيسية الثلاثة – فاين جايل، على يمين الوسط، وفيانا فيل، على يسار الوسط، والديمقراطيين الاشتراكيين، العماليين – تلطخت صورتها بدرجة أو أخرى بسبب انهيار البلاد ماليا بين عامي 2008 و2010، أو بسبب سياسة التقشف والمتاعب التي تلت ذلك مع ارتفاع معدل البطالة وتخفيض الأجور والمعاشات التقاعدية والإنفاق العام.
القبول المتزايد لحزب شين فين بين الناخبين الإيرلنديين الرئيسيين يحدث في الذكرى السنوية المائة لثورة عيد الفصح عام 1916، ذلك التمرد الذي حدث في دبلن ضد الحكم البريطاني الذي حرض عليه الحزب، والذي يبقى محوريا من وجهة نظره الجمهورية للعالم. سيتم الاحتفال بهذه الذكرى بعد بضعة أسابيع من الانتخابات. والموقع الإلكتروني للحزب يحرض: “لقد حان الوقت لثورة جديدة”. 26 شباط (فبراير) يمكن أن يكون لحظة رمزية في التاريخ الإيرلندي.
التاريخ الانتخابي
إذا نظرنا إليها من بعيد، يمكن قراءة الانتخابات كأنها إعادة للتقلبات التي ميزت الدول أعضاء منطقة اليورو في الانتخابات الأخيرة. في اليونان، اليساريون المتطرفون في حزب سيريزا قلبوا الهياكل السياسية الراسخة في البلاد رأسا على عقب. وتم حظر الحكومات الملوثة بالتقشف من قبل الناخبين في البرتغال، وعلى الأخص، في إسبانيا حيث الحركة الشعبوية ممثلة في حزب بوديموس، حطمت هيمنة الحزبين الشعبي والاشتراكي.
لكن الانتخابات الإيرلندية لا توضح فقط كيف أن حزب شين فين مماثل لحزب سيريزا أو حزب بوديموس، بل أيضا مدى اختلافه عنهما. ففي حين ولدت تلك الحركات من أزمة منطقة اليورو، نجد أن حزب شين فين واحد من الأحزاب السياسية الأقدم في أوروبا. فقد تم تأسيسه في عام 1905، ليس فقط بهدف السعي إلى الاستقلال الكامل لإيرلندا، لكن أيضا التأكيد على الانفصال الثقافي والتاريخي الإيرلندي المميز عن إنجلترا.
وهو ليس حركة شعبوية بالمعنى الأوروبي المعاصر. ظهوره بؤرة للشعور الإيرلندي المناهض للتقشف، وهو كذلك، يعد جزئيا مجرد مصادفة زمنية. يقول بريان فيني، الذي كتب تاريخ الحزب: “حزب شين فين ليس حزب احتجاج، ولا يريد أن يكون حزب احتجاج – بل يريد أن يكون حزبا أساسيا”.
إذا كانت الانتخابات تعد اختبارا لجاذبية حزب شين فين الناشئة عن مناهضته للتقشف، فهي أيضا اختبار للحزب على مستوى أكثر جوهرية. فحتى وقت قريب، كان الحزب هو الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت، تلك المجموعة شبه العسكرية التي شنت حملة عنف دامت 30 عاما ضد الوجود البريطاني في إيرلندا الشمالية في ما عرف باسم فترة “المتاعب”. وجيري آدمز، رئيس الحزب، هو مخضرم لما يسمى “الكفاح المسلح”. وكل ما يمثله حزب شين فين متصور من خلال تلك التجربة.
قال آدمز في الحملة الانتخابية هذا الشهر: “أنا بالتأكيد زعيم الحزب الوحيد الذي تعرض لإطلاق النار”.
لكن إذا كان حزب شين فين سينجح في أن يصبح قوة دائمة في السياسات الإيرلندية وليس مجرد منفذ مؤقت لغضب الناخبين المناهض للتقشف، سيكون عليه إقناعهم بأنه تخلص من ارتباطه بالعنف.
التحدي الذي يواجه الحزب هو إقناع الناخبين أنه يملك الصفات الشعبية والسياسية والأخلاقية لجذب شريحة أوسع من الناخبين الإيرلنديين، أو ما إذا كان ماضيه دائما سيجعل إرثه ساما جدا في الجمهورية. يقول إوين أومالي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مدينة دبلن: “حزب شين فين هو الحزب الأكثر استقطابا في السياسات الإيرلندية”.
السياسات الإيرلندية أصابها الاضطراب بسبب انتخابات عام 2011 التي شهدت العرض الأقوى لحزب شين فين منذ أن بدأ يتنافس بجدية في الانتخابات في الثمانينيات. لقد كانت هزيمة لحزب فيانا فيل، الحزب المهيمن خلال معظم القرن العشرين، الذي كان في السلطة عندما ضربت الأزمة المالية. وهذه الانتخابات من المرجح أن تشهد مزيدا من الاضطراب.
فاين جايل، حزب يمين الوسط بقيادة رئيس الوزراء إندا كيني، من المقرر أن يعود مرة أخرى باعتباره أكبر مجموعة في البرلمان الإيرلندي بموجب نظام التمثيل النسبي في إيرلندا. لكن حزب العمال يكافح ليبقى ذا صلة، مع دعم لشريكه الائتلافي يقل عن 10 في المائة. ويبدو أنه سيعاني مصيرا مشابها لمصير الديمقراطيين الليبراليين في الانتخابات العامة في المملكة المتحدة العام الماضي، بعد أن أصبح كبش الفداء للغضب الناتج عن تدابير سياسة التقشف.
هذا على الرغم من حقيقة أن كيني أشرف على انتعاش قوي في حظوظ إيرلندا خلال العامين الماضيين من وجوده على رأس الحكومة. كما توسع الاقتصاد الإيرلندي بنسبة 7 في المائة في عام 2015، ما جعله الأسرع نموا في منطقة اليورو للعام الثاني على التوالي. وانخفض معدل البطالة من ذروة بلغت 15 في المائة في أسوأ حالات الأزمة في عام 2012 إلى نحو 8.5 في المائة. أيضا الإيرادات الضريبية مزدهرة. وعجز الميزانية الذي بلغ نسبة أساسية بمقدار 12 في المائة في عام 2009، من المرجح أن يتم القضاء عليه هذا العام.
تلك الاتجاهات الإيجابية ينبغي أن تكون لمصلحة كيني في الوقت الذي يسعى فيه لإعادة انتخابه. لكن البداية المتعثرة لحملته التي تنطوي على نزاع حول خطط للإنفاق المستقبلي قد لا تكون البلاد قادرة على تحملها قلصت من فرصه.
وفي معظم العامين الماضيين كان تأييد حزب شين فين في استطلاعات الرأي يحوم حول 20 في المائة. وإذا تحقق ذلك يوم الجمعة يمكن أن ينتهي به الأمر ثاني أكبر حزب، ما يجعله المعارضة الرسمية. وهذا يمكن أن يوجد حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كانت الحكومة المقبلة تستطيع متابعة برنامج متماسك. وهناك مخاوف أيضا أن مثل هذه النتيجة يمكن أن تعقد العلاقات مع إيرلندا الشمالية، حيث حزب شين فين في السلطة إلى جانب حزب الاتحاديين الديمقراطيين.
تعثر حزب فاين جايل منح الزخم في الأيام الأخيرة لحزب فيانا فيل وليس حزب شين فين، الأمر الذي ترك الحزبين عالقين في معركة على المركز الثاني. وهذا يشير إلى أن جاذبية حزب شين فين للناخبين الساخطين ربما وصلت إلى حدها الأقصى، على الأقل بالنسبة لهذه الانتخابات.
فعندما اندلعت احتجاجات جماعية في أنحاء إيرلندا بسبب فرض رسوم المياه في عام 2014، فشل حزب شين فين في إدراك ما تبين أنه حركة شعبية في مهدها. المحركون الرئيسيون وراء تلك الاحتجاجات كانوا النقابات العمالية المتحالفة مع الأحزاب الهامشية على اليسار، التي تنظر إلى حزب شين فين بمزيج من العداء والشك، وتعتقد أنه قومي للغاية وربما حتى طائفي للغاية ليكون حزب احتجاج حقيقي.
حدود الشعبية
لقد تم اعتبار صعود حزب شين فين تقريبا أمرا مفروغا منه في المؤسسة السياسية في إيرلندا وبين المعلقين. لكن أومالي يقول نظرا إلى عمق الأزمة الإيرلندية، فإن أي حزب عارض سياسة التقشف باستمرار ينبغي أن يحظى بأصوات أعلى بكثير من 20 في المائة.
لكن هناك سبب آخر لحدود جاذبية الحزب: حزمته التاريخية. آدمز، مع الطلة الملتحية ولهجة غرب بلفاست المميزة، والنظرة القومية الإيرلندية الصلبة إلى العالم، هو شخصية مثيرة.
في الولايات المتحدة، يكون في كثير من الأحيان ضيف الشرف في مآدب عشاء جمع التبرعات مع طاولة بقيمة ألف دولار في نيويورك وبوسطن وواشنطن. وهذا هو المكان حيث جمع حزب شين فين معظم أمواله. وهو محل تبجيل المخلصين في الحزب، خاصة في معقله في غرب بلفاست. لكن كثيرا من الإيرلنديين ينتقصون من شأنه وينظرون إلى ولاء أنصار شين فين له بنوع من الازدراء. يقول نيال كولينز، عضو البرلمان الإيرلندي من حزب فيانا فيل: “بالنسبة لي شي فين (…) ليس حزبا سياسيا”.
هذا الاستقطاب واضح في شوارع دبلن. يقول ليام هور، وهو سائق حافلة متقاعد يعيش في الدائرة الانتخابية التي يأمل أوبروين الفوز بها، لكن الحزب ليس خياره الأول في التصويت بسبب ارتباطه بالجيش الجمهوري الإيرلندي: “آدمز كان ينبغي أن يذهب منذ فترة طويلة”. ويضيف: “وأي شخص يفجر الأطفال والنساء – هذه ليست حرب، هذا قتل”.
في وسط مدينة أوريل ستريت، لدى جراهام فاجان، الأب لأربعة أطفال، العاطل عن العمل والبالغ من العمر 38 عاما، وجهة نظر مختلفة. يقول: “جيري آدمز وجميع المزاعم بشأن الجيش الجمهوري الإيرلندي وأشياء من هذا القبيل – هذه عصا لضرب حزب شين فين، وهو هدف سهل بسبب قضايا الماضي. نحن جميعا نعرف من هو الزعيم [إنه آدمز]”.
الجاذبية السياسية لحزب شين فين لا يمكن نكرانها. فهو يملك ممثلين منتخبين في أربعة هيئات ديمقراطية – تجمع إيرلندا الشمالية في بلفاست، والبرلمان الإيرلندي في دبلن، ومجلس العموم في لندن (حيث أعضاء البرلمان الأربعة التابعين له لا يحضرون) والبرلمان الأوروبي. فهو يملك منظمة شعبية هائلة تخرج فعليا لحشد الأصوات من مكان لآخر.
وهذا قد يترك حزب شين فين في أفضل موقع لاستغلال الاتجاهات الناشئة عن التحضر والهجرة، التي تغير المجتمع الإيرلندي وتزيد من الفوارق الطبقية. وكتلة الناخبين الأساسيين المؤيدين له توحد بين أفراد الطبقة العاملة الذين لم يصوتوا، مثل ديفلين، أو بين الشباب الذين لم يختبروا فترة “المتاعب” أو لا ينظرون إلى حزب شين فين من خلال عدسة تاريخية.
هذه الاتجاهات واضحة بشكل خاص في الضواحي التي تنمو بسرعة في غرب دبلن، مثل كلوندالكين. وقدرته على استغلالها من المرجح أن تجعل حزب شين فين يعزز مكانته في السياسات الإيرلندية. 
وما إذا حقا سيصبح حزب حكوميا، فهذا قد يتطلب تغييرا في القيادة، لكن ليست هناك أي علامة على حدوث ذلك.
يقول أوبروين، “لقد تضاعف دعمنا الأساسي. أي حزب سياسي يتضاعف دعمه الأساسي لا يتساءل عما إذا كان الآن هو الوقت المناسب لاستبدال زعيمه. ليس هناك أي شخص داخل الحزب يطرح هذا السؤال”.

التعليقات معطلة