ليونيد بيرشيدسكي
يرى البعض أن التنازلات التي حصل عليها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون من زعماء الاتحاد الأوروبي الآخرين للبقاء في الاتحاد عديمة المعنى. ومع هذا يحتفي كاميرون بما يعتبره انتصاراً انتزعه من شركائه. ولكن هذا لن يغير حقيقة أساسية هي أن بريطانيا ليست حقاً جزءاً من الاتحاد الأوروبي على أي حال. فقد طلب كاميرون حق تقليص المساعدات الاجتماعية للعمال المهاجرين من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى لمدة 13 عاماً ولكنه حصل على سبع سنوات فقط. وطلب حق اعتراض «فيتو» نافذ على تشريعات الاتحاد، ولكنه حصل على تأكيد بأن التشريعات ستراعي مصالح الدول التي ليست جزءاً من الاتحادات المصرفية والنقدية الأوروبية. وأراد كاميرون أيضاً عدم التقيد بهدف اتفاقات الاتحاد الرامي إلى «اتحاد يتقارب دوماً» فحصل على إعلان يشرح أن هذا لا ينطبق إلا على الدول التي تريد ذلك.
وقد وعد كاميرون بأن يقود حملة «نعم» لأوروبا، قائلاً: «من كل قلبي وروحي سأسعى لإقناع الشعب البريطاني بأن يبقى في الاتحاد الأوروبي بعد الإصلاح الذي حققناه اليوم». وستصوت بريطانيا في 23 يونيو في استفتاء عما إذا كانت ستظل في الاتحاد الأوروبي، أم ستخرج منه. وكثير من البريطانيين لن ينصتوا لحملة كاميرون على الأرجح. والواقع أن بريطانيا كانت وما زالت عضواً في الاتحاد الأوروبي بنفس درجة عضوية سويسرا التي ليست هي أيضاً جزءاً من الاتحاد رسمياً، بل من الممكن الجدال بأنها أقل عضوية من سويسرا. فلندن لم تشترك في سياسة الحدود المشتركة للاتحاد الأوروبي، ولا حرية الحركة عبر الحدود وفقا لاتفاقية «شينجن». بينما سويسرا تتمتع بإمكانية السفر إليها ومنها عبر الحدود مع دول الاتحاد.
وقد صرح كاميرون قائلاً: «لأول مرة اعترف الاتحاد الأوروبي صراحة بأن له أكثر من عملة واحدة». وهذا ليس دقيقاً. فقد تمتعت المملكة المتحدة دوماً بخيار عدم الالتزام بالعملة المشتركة منذ عام 1992 واتضح هذا بأقصى درجة من الرسمية في بروتوكول خاص من معاهدة «ماستريخت». ومنذ عام 2007، لا تتقيد بريطانيا بميثاق الحقوق الأساسية في أوروبا مما يسمح لمحاكم المملكة المتحدة بأن تحدد حقوق الإنسان الأساسية دون إشارة إلى القوانين الأوروبية. وكذلك سويسرا تحدد هذه الحقوق وفقا لما تراه. وكذلك سويسرا لديها نظام أشد قسوة من بريطانيا تجاه العمال المهاجرين من الاتحاد الأوروبي، فهي تسمح لمعظمهم بقبول عروض التوظيف، ولكنها تطرد أي شخص يتقدم بطلب للحصول على الإعانات الاجتماعية. وتود بريطانيا أن تفعل نفس الشيء. والاتفاق المبرم مع كاميرون يعد خطوة صغيرة على هذا الدرب. وأعتقد أن القوانين التي ما زالت تعمل بها بريطانيا، والخاصة بعمل المهاجرين، تبدو أكثر تساهلًا مقارنة بسويسرا، بل يمكن النظر إليها باعتبارها مقابلًا لعدم الرغبة في أن تكون جزءاً من منطقة «شينجن».وكلا الجانبين يحتاج إلى نظام للتجارة الحرة. وألمانيا وفرنسا هما ثاني وثالث أكبر شريكين تجاريين لبريطانيا، والمبادلات معهما سوياً أكبر حجماً من الشريك الأول لبريطانيا أي الولايات المتحدة. وبالنسبة لألمانيا تشكل بريطانيا ثالث أكبر شريك تجاري، وبالنسبة لفرنسا تشكل أيضاً رابع أكبر شريك تجاري. وتحطيم هذا ليس في مصلحة أحد. وفي الوقت نفسه، سيبدو الاتحاد الأوروبي غير مكتمل بشكل مفجع، سياسياً واقتصادياً، من دون البلد صاحب ثالث أكبر عدد من السكان في أوروبا. والاتحاد الأوروبي بغير النرويج يبدو وكأنه لا بأس به، ولكن بريطانيا أكبر من أن تبقى خارج المدار الأوروبي.
وعلى عكس الاعتقاد المنتشر لأسباب ما في بريطانيا، لا تريد بروكسل إجبار أي طرف على قبول تكامل أكبر. فالمشروعات المثالية كالاتحاد الأوروبي تستهدف الراغبين المتحمسين. والجميع يستطيعون الخروج من مجالات مختلفة من الاتحاد، ومن لا يريدون التكامل بنفس السرعة لم يُعاقبوا قط. وصفقة كاميرون الأخيرة تنص على أن معاهدات لاتحاد الأوروبي تسمح بعدم مشاركة عضو، أو أكثر، في عمل يقصد به تعزيز أهداف الاتحاد. ومثل هذه العملية توفر سبلًا مختلفة للتكامل للأعضاء المختلفين مما يسمح لمن يريدون تعميق التكامل بالمضي قدماً بينما يتم احترام حقوق من لا يريدون أن ينحوا هذا المنحى. والحال ظل هكذا دوماً كما يشير الاتفاق. فأوروبا لن تفعل شيئاً أبداً لبريطانيا إذا قاومت اتحاداً سياسياً. والاتحاد الأوروبي مشروع طويل الأمد، وحتى لو كان الحزب الحاكم وكثير من سكان البلاد، لا يرون فوائده الآن، فيحب ألا تكون هذه هي الحجة التي يستندون إليها في دعاواهم إلى الأبد.

