علي شايع
فجأة، وجد أهالي مدينة بابل أنفسهم قبل أيام أمام مشاة عليهم غبرة التماثيل البرونزية وسواد الأزمنة المتعاقبة، وهم يعبرون شارعاً رئيساً في المدينة التاريخية الجميلة، بحركات آلية، يؤدون خلالها ايماءات مسرحية من فن التمثيل الصامت «البانتوميم».تلك المجموعة شوهدت بعد أيام وهي تخترق شوارع مدينة الديوانية في رحلة يبدو انها ستمرّ بمدن كثيرة، ضمن تجربة فنية فريدة، تعيد تعريف الفن كوسيلة حضارية لمراحل وعي إنساني متقدم، وكأداة موصلة لأبلغ الخطاب، رغم اقتصار تلك الجماعة الفنية الواعية على الأداء الصامت لنقل رسالتها لحظة تسلط الضوء على قضية تستحق التوقف وإعادة السؤال المؤثر في كل مدينة تصلها. مخرج الفرقة المسرحي حسين درويش اعتمد على تجربة ريادية لنقل ما يريد عبر ممثلين صامتين، أدواتهم الحركة والإحساس والطاقة الكامنة، حيث نزلت الفرقة تجوب المدينة – تمثيلاً- لدعم عمال البناء وعمال النظافة، من أجل التنبيه لواقع اجتماعي وسياسي واقتصادي يستدعي الاحتجاج والمراجعة والإصلاح. ولعلّ في تركيز الفرقة على هاتين الفئتين أهمية لإيضاح ما قدموه من جهد إعمار وديمومة حياة في بيئة صحية، ولحث من شاهد عرضهم المتنقل في مركز المدينة على ضرورة المساهمة ببناء الوعي، وإيجاد الحلول للاصلاح في جميع
المستويات.رسالة تلك الفرقة الفنية المتكونة من عمال وشغيلة وأصحاب اختصاصات مختلفة من محافظات عديدة؛ رسالة ضمير صانع للحضارة، يستطيع استشراف كل ادوات الاصلاح والتغيير، والتأثير الفاعل في المحيط الاجتماعي والسياسي. وما دام برنامج عرض تلك الفرقة متواصلا عبر مدن أخرى، فبالتأكيد سيكون لدى المخرج المزيد من الأفكار ليتداولها في الشارع المحلي المتشوق لرؤية المزيد في هذا المجال.
تجربة مسرح الشارع – بما هو عليه المسرح من وسائل تعبير جديدة مبتكرة – بالرغم من كونها حديثة، إلا أنها معروفة في الأوساط الثقافية العربية، وها هي تجربة التمثيل الصامت لهذه الفرقة تضيف لها باكورة منجز فني مهم، توج ابداعها من خلال انتقالات معبرة تملك دلالة الرسالة الوطنية الواحدة في جميع البلاد.
الفرقة المسرحية ضمن تظاهرتها الأخيرة استطاعت أن تنطق بالكثير؛ فهي أعادت الفنان الى الشارع ليكون فعل حياته رفضاً يجبر حتى التماثيل على الحركة، لابتكار تغيير ينبثق من أصلب الثوابت، فلا أثبت من التماثيل في نُصبها ومكانها، لكن المخرج جعلها متحركة، وألهم الشارع أن يحاكي حركاتها برؤية وتصور يعيد الى الذهن واقعة مسرحية حصلت في نفس المدينة التي قدم فيها الفنان منعم سعيد ذات يوم عملاً مسرحياً صامتاً في ثمانينيات القرن الماضي، بعنوان «النحات يرقب ساعته» وكأنه يحاور أملاً ما بنهوض ذلك التمثال بعد حين ليغيّر الحياة.
كان الفنان سعيد الذي أسّس منذ أكثر من أربعة عقود (جماعة الديوانية للتمثيل الصامت) يدرك أن ما قدمه سيعرّضه للمساءلة الأمنية وقتها بسبب دلالاته الكثيرة، ففي جلسات نقاش جانبية كنا نشير بوضوح الى احتجاجات سياسية صامتة، والى ترقب النحات لساعته؛ بكل ما تحمله التوقعات من قصاص.

