الممثل والمخرج حسن حسني
استيقظت هذا الصباح مبكرة على غير عادتها , واتجهت الى الحمام وتدوشت على غير عادتها ايضا , وكانت سرعتها في الاستحمام لا تصدق فهي لم تاخذ وقتا كما الاوقات التي كانت تستغرقها تحت الدوش قبل هذا اليوم .. وخرجت من حمامها وارتدت ملابس الخروج وتزينت بطريقة لم تعهدها سابقا وتعطرت وحملت حقيبتها وعبوة معطر جو مخبئ بين كتبها ونزلت سلم البيت بحركة نشيطة غريبة نوعما فلم تعهدها قبل هذه المرة ايضا واتجهت صوب الباب وتوقفت ملتفتة باتجاه المطبخ على اثر صوت والدتها .. اين يا ابنتي الى اين انت ذاهبة في مثل هذا الوقت المبكر .. نظرت اليها ابنتها وبحثت في كراس الاعذار الذي تحمله في راسها عن عذر يخرجها من المازق الذي لم تكن تتوقعه فامها دائما بمثل هذا الوقت من كل يوم تغط في نوم ثقيل .. ما هذه المفاجاة يا امي تردد صدى هذا العبارة في راسها ثم اردفت .. اليوم بداية الاسبوع والزحام في اوجه الا تعرفين ذلك يا امي .. ولكنك لم تفطري يا ابنتي , الافطار على وشك ان يكون جاهزا اجابتها الام واتجهت الى المطبخ .. بقيت امال واقفة مترددة بين العودة الى المطبخ لتناول وجبتها الصباحية وبين الاتجاه الى الخارج حيث وجبة الفطور التي هيائها حبيبها في شقته ..اي الوجبتين اشها يا امال
تسرع خطى امال حيث موقف الباص فقد لمحته من بعيد وهو يجر ثقله بما يحمله من الركاب .. وصلت حيث وصل .. قفزت اليه بهمة ونشاط .
اما سعيد فهو سعيد جدا بعد ان انهى ترتيب المائدة ووضع عليها اطباق متعددة من الطعام اومليت وجبن ومربى وقطع الخيار وتوسط المائدة صحن الزيتون وكاسين من عصير البرتقال .. اين الشمعة .. لا تكتمل المائدة الا بوجود الشمعة .. اسرع الى الصالة حيث المكتبة سحب احدى مجراتها مد يده داخلها ثم توقف .. يا مجنون نحن في الصباح ما قيمة شمعتك في ضوء نهاره الساطع ما تأثيرها فيه .. ولكني عودتها على ذلك , كان ذلك في اللقاءات المسائية السابقة وتشهد كافتيريات بغداد على ذلك اهدأ يا سعيد هكذا تحدث مع نفسه .. ثم تذكر سعيد معطر الجو ارتبك عندما تذكر بخلو شقته منه .. ركض باتجاه الباب وخرج مهرولا الى السوبر ماركت الصغير الذي يبعد مسافة الكيلومتر وبضعة امتار وصوت ارتطام باب شقته احدث دويا من خلفه لم يعره اهتماما اسرع الخطى .. وراح صوت ابريق الماء الموضوع فوق عين نار الطباخ يتعالى مطلقا صفيره المزعج مناديا صاحبه ولكن جدران المطبخ تعيد له صدى صفيره .. وخطوات سعيد راحت تدفع الاسفلت دفعا .. ينظر الى ساعته .. اتمنى لو انها تتأخر دقائق , دقائق فقط هذا ما يتمناه هذه اللحظات .. فمعطر الجو ذا اهمية قصوى فرائحة العفونة طاغية على جو الشقة .. ماذا لو رفعت امال حافة الشرشف الموضوع على كاونتر المطبخ حيث ينزوي كيس النفايات الاسود الموضوع في السطل الخاص بالازبال لفوجئت بقناني معطر الجو الفارغة قد ملئته فهو يستخدم الكثير منها بسبب العفونه الصادرة من رطوبة جدران وسقف الشقة العتيقة .. اكثر من مرة اقترحت عليه امال تغيير الشقة والانتقال الى شقة اخرى فالبناية كلها ايلة للسقوط ..لكنه لا يبالي .. وصل الى السوبر ماركت بعد ان اجتاز تلك الشجرة الكبيرة العتيقة والتي لولاها لاستطاع ان يرى السوبر مارت من بعيد ان كان مفتوحا او مغلقا .. وحين توقف ووقعت عيناه على واجهة السوبر ماركت .. ماهذا مغلق ..كم الساعة الان .. اوف انها السابعة ولكن المحل يكون فاتحا ابوابه بمثل هذا الوقت .. سحب جسده والخيبة رسمت ملامحها على وجهه النحيف وفكر بالعودة الى شقته خوفا من وصول حبيبته في موعدها وتضطر الى دق الباب وتلح في ذلك وقد تنبه الجيران ويروها و قد تحدث مشكلة مع الجيران .. في المرات السابقة كانت تاتي في بداية المساء كم مرة الحت عليه تصليح جرس الباب .. يا لاهمالي قالها وراح يسرع الخطوات … اكثر من مرة اعتذر لها عن اهماله في كثير من شوؤن الشقة ولكن معطر الجو ذا اهمية لتلطيف جو الشقة , اللعنة على تلك العفونة والف لعنة على تلك الرطوبة , توقف عن التفكير في الهروله على اثر الصوت المنبعث من صاحب السوبر ماركت صباح الخير التفت سعيد وارتفعت بالتفاتته معنوياته وارتسمت ابتسامة عريضة جدا على وجهه وانحنى ليرفع باب المحل الالمنيوم وهو يرد تحيته اهلا ابو محمد تأخرت كثيرا ادخل ابومحمد المفتاح في قفل الباب صدرت منه صرخة غير مقصودة .. لا .. انه مفتاح ورشة عمل ولده الكبير المتزوج .. كم مرة نبهت حفيدي الصغير سامر ان لا يلعب بسلسلة مفاتيحي .. ارتفع جسد ابو محمد وانتصب وعاد ادراجه مسرعا من حيث اتى .. وترك سعيد الذي ما عاد سعيدا وعاد التجهم الى وجهه وغابت تلك الابتسامه واعتصر قلبه واحس بالم داخله فرفع جسده لينتصب هو الاخر واحس بثقل جسده النحيف .. فكر وحاول ان يقنع نفسه بان لا ضرورة لمعطر الجو هذه المرة اتجه الى شقته ثم تذكر فجاة ان هناك محل صغير في نهاية الزقاق اسرع الخطى والتفت الى الوراء لا احد اسرع وراح يركض واسرع في الركض وما هي الا امتار تفصله عن المحل الصغير نظر اليه واذا به هو الاخر مقفل توقف وصدرت منه كلمة .. لا .. بصوت مسموع راحت منه اكثر من التفاته في كل الاتجاهات الحمد لله لا احد انتبه لي , ثم عاد من حيث اتى , عاد مسرعا خائبا وكم هي عدد الافكار التي تقافزت امام مخيلته افكار عجيبة غريبة ..فاليذهب معطر الجو الى الجحيم يا لتعاستي يا لهذا اليوم النحس قالها وعاد ادراجه الى شقته جارا خيبة امل ثقيلة حتى وصل شقته واذا بأمال واقفة عند الباب وهي حاضنة مع كتبها عبوة معطرالجو وعليه طبعت صورة ورد الياسمين ..قالت بعد تنهيدة فرح طرقت الباب كثيرا حتى توقعتك نائما فحزنت كثيرا .. اين كنت .. قال وقد انشرحت اساريره واختفت خيبة الامل الذي هاجمته قبل قليل .. كنت ابحث عن هذا الذي بين يديك ..ابتسمت وقالت تيقنت ما توقعت صباح الخير حبيبي ..فرد فرحا صباح الخير حبيبتي صباح الياسمين ..

