نهلة الشهال
وهناك أيضاً 32 و33 من آذار (مارس) وهكذا… تقويم جديد؟ من المعتاد أن تقوم الثورات الكبرى بتغيير أسماء الأشهر، ولكن هذه هنا مجرد إشارة رمزية لاستمرار 31 آذار، اليوم الذي انطلق فيه معاً أكثر من مليون متظاهر فرنسي ضد مشروع قانون العمل الجديد الذي بات يعرف باسم الوزيرة في حكومة مانويل فالس، مريم الخمري، ثم عدِّل، ثم لم يمْكن إقراره حتى الآن.
الحزب الاشتراكي الذي حاز على الحكم في 2012 في الانتخابات الرئاسية ثم النيابية وشكّل الحكومة، تجرأ، باسم اشتراكيته ولكن «الواقعية»، على ما كان اليمين يحلم به ويتمناه ولا يتمكن من تحقيقه أو تمريره. صحيح أن طريقاً طويلاً قطع في الأثناء، على يد الاشتراكيين واليمين على السواء، ولكنه كان يرسم بالقطّارة، بينما مشروع قانون العمل هذا يرجع عن كل المكتسبات التي تحققت في مجال تنظيم العمل المأجور خلال أكثر من قرن: الحقوق والحمايات التي تَحول دون الصرف السهل من الخدمة لحجة الحاجة الاقتصادية إلى «المرونة»، وكذلك تحديد ساعات العمل التي لم تكف عن التقلص حتى صارت 35 ساعة بعدما كانت حُوّلت الى 44 ساعة إثر حركة «أيار (مايو) 1968».
يوجد في القلب من تظاهرات 31 آذار، الطلاب مجدداً، جامعيين وثانويين، تماماً كما كانوا في قلب أيار 68 ثم التحركات الكبرى في 2006. وهؤلاء يجدون أن عالم الغد الذي يوعَدون به بات بائساً سوداوياً، وأن تحصيلهم الجامعي وشهاداتهم ليست إلا «خداعاً» كما تقول شعارات تحركهم الحالي، فيما أصاب الإرهاق الأكبر سناً ممن انخرطوا في العمل أو يعانون من البطالة.
المد الاحتجاجي الكبير في 31 آذار دفع الآلاف إلى الاتجاه نحو أشكال من البقاء في الشارع، خشية أن يتعلق الأمر بتظاهرة احتجاجية أو مطلبية تنتهي في أحسن أحوالها بمفاوضات مع الحكومة لا تؤدي الى شيء سوى تنفيس الزخم. هكذا وجدوا أنفسهم في «ساحة الجمهورية» الهائلة، في قلب باريس، وبدأوا ما سموه «يقظة الليل» (nuit debout). وفي التسمية مستويان للمعاني، استحضار اليقظة ولكن أيضاً «الوقوف» بالضد من «الخضوع»: التجمع كل يوم بدءاً من المغرب حتى وقت متأخر من الليل أو حتى الفجر، حين يطلب منهم البوليس فك خيامهم والتفرق، ليعودوا في اليوم التالي. وقد حاولت رئيسة بلدية باريس وضع حد زمني لهذه الحركة، وأعطت مهلة أسبوع، ولكن لا يبدو ذلك ناجعاً، كما لا يبدو مؤثراً في شعبيتهم شعارها الذي أطلقته من على المنصة بمناسبة عامة: «لا يحق لأحد احتكار ساحة الجمهورية».
ينتشر النموذج الباريسي بسرعة إلى مدن فرنسا الأخرى، كبيرها وصغيرها، وتبدو حركة «يقظة الليل» مرشحة للرسوخ. يقارنها البعض بحركة «الساخطين» indignados)) الإسبانية التي أنتجت «بإمكاننا» (podemos)، الحزب الذي حقق نجاحاً مدهشاً في الانتخابات النيابية الأخيرة. وهي بدأت في الأصل باعتصام سلمي في أكبر ساحات مدريد، «بويِرتا دل سول»، في 2012، رفضاً لبرامج التقشف التي فُرضت على اسبانيا. ويستحضر بعضهم الآخر حركة «احتلوا وول ستريت» التي بدأت في 2011 في نيويورك بتظاهرة صغيرة ثم شاركت فيها ألف مدينة عبر العالم، وأصبحت تسميتها «احتلوا» (occupy) فحسب، وصح عليها وصف «سريان النار في الهشيم».
إلا أن ذاك هو تحديداً ما يتخوف منه المبادرون الى «يقظة الليل». فهم لا يريدون التحول الى حزب، ويصرون على أفقية حركتهم، وينتقدون التراتبية العمودية التي وقعت فيها حركة «الساخطين» الإسبانية، بعدما كانت انطلاقتها تمارِس «الديموقراطية المباشرة»، كتلك التي تتبناها الحركة الفرنسية الحالية. وهم لا يريدون أن يكونوا مجرد «فورة» سرعان ما تنطفئ مثلما حدث مع «احتلوا». ولمقاومة الخطرين، يجري استدعاء «تقاطع النضالات»، فتحضر في التجمع الليلي حركة «الحق في المسكن» التي مضى على وجودها زمن والتي تتحرك حول قضية السكن ولكن أيضاً البطالة واللجوء والنزوح وكل الهشاشات، وهم منحوا خبرتهم للمبادرين في الحركة الجديدة. كما حضرت الشبكة النقابية العمالية «متعاضدون» (solidaires) التي ولدت من رحم انتقاد بيروقراطيات المركزيات الفيديرالية النقابية الكبرى، وكذلك حركة «أتاك»، التشكيل الفكري الاقتصادي المطالب بفرض ضرائب على حركة تنقل رأس المال المالي العالمي، وهي تبقى نخبوية على رغم امتدادها وتوسعها في زمن سابق، حين كانت شريكاً أساسياً في اطلاق «المنتديات الاجتماعية العالمية» في 1999 في سياتل بالولايات المتحدة، والتي سريعاً ما احتضنتها البرازيل (مدينة بورتو اليغري في 2001). وهي كانت الرد الذي لجأت اليه حركات فكرية واجتماعية ونقابية شديدة التنوع، تبدأ من تلك ذات الطابع اليساري ولا تنتهي عند تلك الكاثوليكية، التي تتشارك في مناهضة العولمة، والرد على زهو «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي يعقد سنوياً في دافوس، وعلى ما بدا سيطرة مُحْكمة للنيوليبرالية بوصفها «نهاية التاريخ».
ولتحقيق ذلك «التقاطع في النضالات»، و «الأفقية»، والتلاقي بين الطلاب وسائر فئات المجتمع، و «تجنب التقوقع»، ولتجسيد النفور من أجهزة الأحزاب والنقابات المتكلسة (التي أصبحت هي نفسها «غاية وجودها»)، يناقش المبادرون الوسائل: التجوال على أماكن أخرى، كضواحي باريس التي كثيراً ما التهبت بتحركات احتجاجية على البطالة والإقصاء، وإدماج قضايا اللاجئين والنازحين مثلاً في صلب الاهتمامات التي تعلن في جمعيات عامة ليس فيها رؤساء جلسات ولا منظِّمون، ويتم التصويت فيها بحركات من اليدين صامتة، كلغة جديدة اتُفق على معانيها.
تعرض أفلام وثائقية خلال ساعات «يقظة الليل» تلك، ويأخذ الكلام في النقاشات أحياناً فلاسفة واقتصاديون كفردريك لوردون، وتتولى مجلة ذاتية التمويل كـ «فقير» (Fakir) تسجيل تلك النقاشات، ويأتي الى الحضور فنانون من كل نوع، فرق موسيقية أو مسرحية (كـ «جولي موم» التي اشتهرت في سنوات خلت)، محترفة أو هاوية، ودانيال مرميه وهو كان صاحب برنامج إذاعي شهير في إذاعة «فرانس انتر» أوقف في 2014، ما تسبب باحتجاجات كبيرة. وهؤلاء جميعاً «خبراء» في كشف آليات استيلاء كبار رجال الأعمال على وسائل الإعلام عبر التمويل فالتملك (صحف كبرى وتلفزيونات الخ…).
يجري كل ذلك على وقع الإعلان: «هذا العالم الذي لم يعد مقبولاً العيش فيه». إنها محاولة أبدية، يُظَن دوماً أنها فاتت وماتت، لكنها تعود.

