حاوره /قاسم وداي الربيعي
حواري اليوم مع أكاديمي وباحث وأعلامي له من التجربة الشيء الكثير متواضع جدا لم يجري وراء الشهرة وهو ما يؤهله لذلك ، لدية أكثر من 32 كتاباً بين أدب وشعر وتراث وتاريخ ولغة ورجال وأعلام وغيرها ـ تأليفاً وتحقيقاً وصنعة . وفي المطابع لدي عدد من الكتب التي في طريقها للنشر وما زال يقول : أنا مازلت في أول الطريق وقد سبقني بالعطاء آلاف من المبدعين الذين أغنوا المكتبة العراقية والعربية من كل فنّ من فنون الكتابة والإبداع . وليس بالغريب أن نجد هذا في الدكتور سعد الحداد فهو أبن بابل المدينة التي عُرفت بالفكر والتي ظهر فيها كبار العلماء والمفكرين . حين التقيت به ذات يوم وهو يزور شارع المتنبي تحدثت معه كثيرا وشدني في تواضعه رغم خزينة الفكري .. فكان لي معه هذا الحوار الذي بدأته منذ مشواره الأول مع الشعر والقراءة
_ البداية والتجربة الشعرية .
كطفل يحبو حتى تستقم له الخطوات فيكون بنموه طبيعياً ليدخل ميدان الحياة بثقة تلك هي البدايات متواضعة ومتعثرة ومسددة . كان الفضل فيها لأساتذة كرام بررة بأبنائهم ، وكان لدواوين الشعر فضاء لا حدَّ له من الإبحار في سماوات إبداعه . وللإقدام على النشر فضيلة في اندفاع روح الشباب والإصرار على إيصال ثمرات الجهد إلى المطابع ليفرح القلب بما في أوراق المجلات من نصوص يعلوها اسم وعنوان ، ذاك في نهاية السبعينيات وتحديداً في مجلات الرسالة واليقظة والنهضة وأسرتي والراصد وغيرها .
تجربة بدأت بالشعر الوجداني ثم اتسعت فخبتْ لسنوات ثم نمتْ وعادت فخبتْ تحت أجنحة ليل الحرب ولهب الدخان المتصاعد لتتورم الروح نزفاً من الصمت المطبق إلا من بصيص يتأرجح .
_لكل شاعر مشروع ما هو مشروعك فيما تنتجه من قصائد للشعراء مشاريع متعددة الرؤى والأفكار ، كما الشعر متعدد الألوان والأساليب . ربما لم يفكر شاعر ما أن ينتهج طريقاً تؤدي به إلى مصاف بعينها ، وربما خطط شاعر آخر أن يرسم له نهجاً ليصل إلى مبتغاة . ولكلا الشاعرين رؤاهم الخاصة إلا في طريق التعبير . فبين الخمول والرتابة وبين حثّ الخطى والتألق خطُّ من الإقدام نحو مفهوم خاص للحياة يتبناه الشاعر الحركي .. الشاعر المتخطي لقيود عديدة قد تلبسته ومن قبله …. فنفض عن قصيدهِ أغبرة بالية ورفع راية إقدامه لتفعيل فلسفة الحياة بأبهى صورها .. هذا ما هو عليه الفقير لله ..
_الصراع بين شعراء قصيدة العمود وقصيدة النثر هل تراه مجدياً .. والجميع يصنعون الجمال ويرممون الفكر .
لا أعتقد بوجود صراع ، مادام الشعر شعراً والنثر نثراً , وكل منها يعمل في ميدان إبداعه ، ومن يقدّم من العطاء ما تزدان به النفوس وتبتهج فهو الأكثر تألقاً والأجمل تأنقاً . بعيداً عن الاختلاف في التسميات والأساليب .. الأدب والشعر الذي يستطع أن يؤدي دور الدهشة هو الأقرب حضوراً إلى الروح . والأجدى بقاءً وخلوداً.
_النقد والنقاد الشاغل الحقيقي لدى الشعراء ..كيف ينظر الحداد إلى المشهد النقدي العربي والعراق خصوصاً.
أقول أنّ مساحة النقد لا تتوازى مع مساحة الأدب وهو شيء طبيعي .
ولدينا في العراق والوطن العربي أسماء لامعة في مجال النقد لكنها لا يمكن لها الإحاطة بالمنتج المتسارع من دواوين ومجاميع شعرية أو حتى في مجال القصة والرواية .
من جهة ثانية ..إن ابتعاد النقاد وانحسارهم في الكتابة على وفق أمزجتهم أدى إلى اتساع الهوة بين الأدب والنقد لابد من البحث عن علائق جديدة للأخذ بيد الجيل الجديد إلى جادة الصواب
_التراث أخذ منك الكثير هل لأنك تسكن مدينة أثرية مثل بابل أو أنك تبحث وتحقق لأمور تراها تفيد الأجيال.
للمكان أثر مهم في توجه الاهتمام والرغبة وباعث ومحفّز للتقصي والبحث عن القديم ، لا لقدمه بل لأهميته وكم في الأرض من الأمكنة التي أضحت مجرد أطلال لاتُسْتنطق لانعدام كثير من موجبات التنقيب في مكامنها وبابل واحدة من الأمكنة التي تضفي روعتها في الروح لأنها تبعث أنغامها آسرة فتهبك طاقة فعالة في البحث في تاريخها .
وقرب بابل ولدت الحلة قبل قرون تسعة وكان لها ما كان إلى اليوم من إشعاع مضيء بألوان معرفية لا تحصى ، وما تركه أبناؤها الأعلام من تراث ثرٍّ كفيل أن نبحر في خزائنه لنستقي من روائعه مخطوطات تنفع الناس في عصرنا ونعيد لمؤلفيها أشياءهم التي تركوها بحلل جديدة .
_المرأة هذا الكائن الجميل هل هو عالق في فضائك كذكرى أو أنه استباح القلب ذات فصل ..وللشعراء مع المرأة طقوس مثخنة بالواخزات .
المرأة والشعر صنوان لايفترقان ، والمرأة أول خطى الشعراء إلا م اندر ، لولا المرأة لكان الشعر جلمداً لاحياه فيه ، المرأة .. أنثى .. بلاد .. قصيدة .. وهل تفترق الروح عن القلب ؟
من لم يعش في حبٍّ مستمر لايرقى ولايرتقي ، لان الشعر تطور والمرأة روح التطور ، وبالحب يسمو بيان الشعراء _ المشهد الثقافي العراقي مشهد خصب كما يراه البعض ..ترى كيف يراه الحداد
المشهد الإبداعي العراقي مشهد خصب وثر .. متجدد ..نامٍ .. منتج حيّ .. لا يغفو أبداً .. بل انه في استنهاض دائم و استلهام مستمر لكل حركات التجديد وانبعاث المشاهد العالمية على اختلاف مشاربها ومنابتها .. المشهد الإبداعي العراقي أمّ ولود تستنطق خصائصها وسماتها الإبداعية من رحمها الحضاري فتنتج أبناءها البررة كما تشتهي بأتمّ عافية وأبهى جمال ..
هل رأيت شعباً يأكله الجوع وهو يبدع ؟
_ بابل تلك المدينة التي عرفت بالفكر والمفكرين ، كيف هو واقعها اليوم هل هناك أنشطة يديرها اتحادكم . من أمسيات و أصبوحات تجمعات ثقافية أو يبدو عليه الصمت كحال بقية المحافظات
تمتاز محافظة بابل بنشاط كبير في الفضاء الثقافي والمعرفي والفني ، وما تنتجه على مدار السنة لم تصل إليه محافظة أخرى من الحراك الإبداعي ، لتعدد الاتحادات والنقابات الرسمية وغير الرسمية و منظمات المجتمع المدني و المجالس والبيوتات الثقافية العاملة في هذه الميادين هو دليل عافية لما تتميز به من فعاليات لايمكن للمتتبع إحصاءها ونظرة سريعة لبرامجها المستمرة التي تكاد تكون أنشطتها في اليوم الواحد تتجاوز أصابع اليد الواحدة . على الرغم من الإمكانات الشحيحة و انعدام مصادر التمويل وخاصة الدعم الحكومي . تصوّر أن اتحاد الأدباء والكتاب في بابل وهو من أعرق الفروع في العراق تأسيساً بعد العاصمة ليس له مقر ثابت أو بناية خاصة به . وعلى هذه فقس ما سواها .
_ وأنت تكتب من أين تستمد صورك الشعرية .
الصورة تستمد من نظرة عاشق .. من نظرة حبيب مغرم .. من تغريده بلبل وهديل حمام ورقّة أنثى .. من جرح مقاتل ولهفة أمٍّ وصرخة زوجة .. من عامل بناء أو طفل جوال ترك المدرسة .. من منائر و قباب وأضرحة ومزارات وشناشيل عابقة بالأثر الجميل .. من الحياة اليومية .. من شط الحلة وبساتينها وأزقتها وأسواقها وأناسها الذين أربكتهم الأيام بظلامية الفكر الأسود فتطايرت (بيوت التنك) على رؤوسهم .. من شهيد ضرّج أرض المقدسات بطهر دمه .. الصورة تأتي بلا استدان مادامت الحياة صوراً متواصلة الالتقاط .
– أهم إصداراتك وهل هناك منتج جديد .
أصدرت حتى اليوم 32 كتاباً بين أدب وشعر وتراث وتاريخ ولغة ورجال وأعلام وغيرها ـ تأليفاً وتحقيقاً وصنعة . وفي المطابع لدي عدد من الكتب التي في طريقها للنشر ، وأقربها صدوراً كتاب للمرحوم الشيخ عبد الكريم الماشطة بعنوان ( مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق ) وهو تحقيق سيصدر في الأيام القادمة إن شاء الله ، فضلاً عن الاستمرار في إصدار سلسلة ديوان الشعر الحلّي .

