حوار قاسم وداي الربيعي
عبد الإله الفهد ذاكرة الماضي القريب والإبداع الحقيقي حين ألتقيته منحني الكثير ، تحدث حول رحلته بشيء من الشجن ، ربما ما تعرض له من ضنك الحياة التي ما عادت ترافق أهل الفكر إلا بالقسوة وهو كأي مبدع يكتب رغم قسوة الحياة …حدثني عن أسماء كثيرة في الأدب وكأنه موسوعة .. حينها شعرتُ بالفرح وأيقنت أن ثقافتنا بخير ومثقفينا مازالوا يحملون مشروعنا الثقافي بكل همة .. حاورته على مدى ساعات فشغلني بأسلوبه الجميل وإمكانية حفظه لأسماء كثيرة من الأدب العربي والأدب الغربي ، كانت رحلتي معه عبر أسئلة كثيرة اكتفيت ببعضها . وكانت بدايتي حول رحلته الشعرية متى وأين
_البداية والتجربة الشعرية ؟
ليس بمقدوره أن يحدد متى ومضت اللهفة الشعرية والتمعت رهافة الحس
مثلما لا يستطيع أن يحدد دمعته الأولى وفرحته الأولى وشوقه الأول .أن غموض ذلك هو الذي يضفي العمق والغور في الأعماق داخل نفس الشاعر..أو بمعنى أخر هو ذلك الشعر . إلا إنني استطيع أن أقول أن أول قصيدة لي كان من المفروض أن تظهر في الأقلام المطبوع الثقافي الأول في العراق فقد قرأها حاتم الصكر سكرتير المجلة وأعجب بها كثيرا وكتب لها مقدمة وهيأها للنشر ..إلا أن هيئة التحرير اعتذرت منه على اعتبار أنها لشاب صغير وفي بدايته لكنه يعرف وأنا اعرف أن ذلك كان لأسباب سياسية هم يشكون بي معارضا.
فدفعت بها إلى ثقافية صحيفة العراق ..فنشرت إلى جانب أسماء كبيرة آنذاك كانت على طريقة الاسترسال عنوانها (شدو الطين ) وقد أخذت صدى واسعا في الوسط الأدبي
_أنت شاعر لم تأخذ فرصتك كما يبدو ..هل هناك أسباب ؟أم أنت هكذا ؟
لم أرد الشهرة ولم استسغ أن أكون معروفا .أنا من النوع الذي ينشد العزلة ودفء أن يلتم دون أن يشعر على ذاته
وينزوي بعيدا ..كأنه مصداق لما قاله ريتسوس :(ما أجمل أن نبتعد ونبتعد)
وقد لا تصدق ما أقوله لك ألان بأني قد عرفت دون أن اشعر
ودون أن أسعى ..كان الأصدقاء يذهبون بما اكتب إلى الصحف والمجلات وأنا اكتفي بهز رأسي بالموافقة
كانت الرفقة والصحبة آنذاك ..تضحية وأثرة ووفاء.
ووجدت نفسي أواجه من يكتب عني ويدعوني للمهرجانات فكنت في الواجهة ..شاعرا ذا بصمة وأسلوب ورؤية تفرد بها لوحده
_أكيد خلال بداياتك تأثرت بأدباء . بمن من الشعراء تأثرت؟
لم اتبع خطوات احد..كان ما قاله جوته بمثابة برنامج عمل لي:(كن رجلا ولا تتبع خطواتي )
لدي إحساس بأني مختلف .لكني قرأت في البدء روايات وقصصا مترجمة عديدة وكذلك شعرا مترجما
واعتقد أن ما جعلني مختلفا هواني قرأت دستوفسكي وتشيخوف وموباسان وبلزاك ومالا رميه وبود لير ورامبو وشللي وبايرون وسعدي يوسف وأمل دنقل قبل أن أصل للعشرين من عمري
قرأت العذابات وطوحت بي وأنا لم أزل طري العود امتزجت مع الوله بشكل فريد : كنت استمع لفيروز وعبد الوهاب وموت زارت إلى جانب عبادي العماري والمنكوب وسيد محمد وامزج كل ذلك بطينتي التي جبلت من الجنوب :الميمونة والمشرح والمجر والشاكرية والثورة وأصدقاء الطفولة والصبا وجبهات الحرب والسواتر وحوادث الموت القريب
_المشهد النقدي العراقي كيف تراه اليوم في زحمة النقاد؟
النقد برأيي هو نص أخر بجانب النص ويقدمه للمتلقي بالشكل الذي يوسع منه ويكثفه ويزيده لمعانا ..إلا انه كان ولا يزال محكوما بالخواطر والمجاملات . صدرت مجموعتي الشعرية الأولى عام 2001 بعنوان (ما قاله النخل )بعد تجربة طويلة في الشعر والنقد في عديد الصحف والمجلات العراقية والعربية وكذلك المهرجانات ..لضيق ذات اليد والنأي عن النفاق للمؤسسات والمسئولين .أصدرته بطبعة متواضعة وعلى طريقة الاستنساخ وكتب عنه النقاد والشعراء والصحفيون. منهم الراحل عبد الجبار داود البصري
_هل وفقت مابين شعرك الشعبي وفصيحك من الشعر؟
أجد نفسي في قصيدة التفعيلة والنثر .والشعبي اعتبره كتحصيل حاصل بعدهما..رغم أن قصائدي الأولى أشاد بها كبار الشعراء مثل عريان وعادل العرداوي وكريم العماري والخزاعي ونشروها في صفحاتهم المختصة بهذا اللون من الشعر مطلع الألفية الثانية مزاج يا أخي ..أرى نفسي مزاجيا فلم استمر بنشرها ..هكذا أنا !
_أراك لم تأخذ فرصتك بين أبناء جيلك ..لماذا ؟ أم أنت ترى غير ذلك ؟
اشعر أني قد أخذت فرصتي ولم أزل. ولكن قل : أن القراء لم يأخذوا فرصتهم لقراءتي..
_كيف ترى الواقع الثقافي ألان ؟
خراب..وكيف لا يكون كذلك وقد تسيده أئمة الخراب
_مدينة الثورة ..مرتع صباك ورجولتك ماذا تعني لك كشاعر وهل أضافت لتجربتك بعض جنونها
مدينة الثورة منجم للإبداع أو كانت كذلك.كنت أراها منذ طفولتي جنة الحزن ومكمن الدموع وفن الاغتراب وأبيات الشجن الخالد . اختفت معالمها الأليفة اليوم وأمست مسخا .بعد أن سكنت أعماقي وغارت شيئا فشيئا هناك .كلما اشعر بالوحشة أمد يدي للأعماق فأشدو وأأسى واكتب الثورة جنة السقم كانت والتعب المستديم رغم مرضها الدائم ولهاثها الأبدي
_ هل كانت المرأة همك في الشعر وماذا تعني لك أيها الشاعر الوسيمالمرأة ..لا قصيدة بدونها ولا أدب ولا حتى أغنية ولا طير يطير ..هل سمعت طيرا لم يشدو لأنثى ؟ والعكس صحيح أيضا ..لامرأة من دون شعر ومن دون أغنية ومن دونما شدو ._قبل أن أنهي حواري قلت من هم أصدقائك اليوم ؟
أجابني بمرارةٍ وهو يتنفس بعمق ويقذف الحسرات
قال: ارتحلوا..ومن بقى منهم بحكم ولم يعد إلى جانبي منهم سوى ذلك الأقل اهتماما بي منهم : هو أنا !
حين ودعتُ الشاعر عبد الإله الفهد كان يرمقني بشيء من العتب أو الشكوى . كان يبصر طريقة بصعوبةٍ ويشكو لي حاله وما يعانيه من السكن والحياة الصعبة .. تركته وسط ظلام بجانب السيارات الذاهبة باتجاه ألعبيدي حيث يسكن هناك

