قاسم ماضي – ديترويت
في عوالم الرواية العجيب و الغريب ، والكثير من الحقائق المكشوفة ، وغير المكشوفة ، كلها تخترق الصدرالملتهب من نيران الغربة ،التي أرهقتنا ونحن نشتاق الأوطان ، ونخاف منها من أن تأكلنا بلا رحمة ، تلك ثيمة تجسدت عبر أنساق رواية « واسيني الاعرج « الذي يئن من وطأة الظروف التي عاشها في غربته ، وهو يُسطرها في ملحمته كي يزفها لنا عبر نسيج سردي « حكائي « تتلاطم فيه الأحداث الواقعية والمتخيلة عبر تناغم موسيقي مشدود وملغوم بمفردات الألم « هذا هو عالم باريس الخفي ، عالم تُشوى فيه الأجساد البشرية ، وتوشم بالنار والحديد المحمر « ص135
وهذه العوالم التي أدخلنا فيها ليست عالماً واحدا ، وإنما أنفاق متعددة يعالجها كطبيب نفسي يُدخل ارواحنا ويصب فيها روحاً أخرى ، كي يسهم في إطفاء الإشتعال الداخلي الذي إكتوينا به عندما تركنا أوطاننا . « عندما تكون غريباً عليك أن تعرف عالمك محاط بحدود ، قد تكون السبب الأول في هلاكك لا شيء يحميك ، إلا نباهتك التي قد تخونك أحياناً حتى في مكان عملك ، ولا تتفطن للكارثة إلا عندما تشم حرائق جسد يتلوى بفعل النار كقطعة بلاستيكية «135
وكأنها إطلاقات نارية يوجهها الكاتب ، وأقصد هنا كاتب الرواية ، ليخلق لنا فضاءات تمتزج امتزاجاً في كينونتا ، المكان ، والروح ، والفكر ونبض الحياة ، والذات التي تراقب وترصد وتتبع الفرح والألم ، كل هذا في خيوط اللعبة التي يرسمها المبدع ،ونستنشق عبيرها عبر رحلة مضنية بين الصخب والسكون أو الإنسحاب أو التصدي ، هذه الرحلة يعيشها الكاتب أو الروائي ، فكيف إذن مع كاتب قصصي له باع في كتابتها ، وهو يتخيل الكثير من الحكايا ليصفها لنا ، ويخلق أجواءها الممتعة بحرفة عالية ، ويعطينا الدروس والعبر، ومنذُ ُ تصفحك أوراق الراوية الأولى ، تجد نفُسك في آهات يعبر عنها الكاتب « الأعرج « تلامس بشكل كبير المرء المغترب الذي أبعد عنك الكثير من القضايا التي تخص حياتك ، وهو يضعك في صورة هذه الحياة الصعبة التي كرهتها نتيجة ما يحطيني منها من تراكمات ومشاكل ، وكأنه فاحص بصر خبير في هذه الحياة .
« ما زلتُ إلى اليوم أنتظر عودته لكي أتمكن من تحمل مشقة الحياة وقسوة عزلتها « ص5 هذا التيه العجيب الغريب الذي مررنا به ، وهو تيه الغربة الذي ينبشه نبشاً ، وهو يفصله لنا تفصيلاً على مقاس القارئ ، وكأنني أطرق رأسي خجلاً لما لم أعرفه من هذه الحياة الإغترابية التي سببت لنا الكثير من الصراعات الذاتية التي تحطينا من كل صوب وحدب .
« تيه الغربة القاسي « ص5
ثم يعيد شخوصه الإغترابية إلى أرض الوطن ، لتدفن فيه ، وهذا دليل على أنه يعطينا دروساً وحكماً ، ليعلم الأجيال التي تهاجر إلى دول أوربا إنها مخطئة ، وعليها التمسك بحب الوطن ، وهذا مأأراد أن يقوله لنا .« وغفر لعشيقته كل الحماقات التي ارتكبتها معه ، لأنها علمته كيف يعيش حياته وهو على كف عفريت ، وكيف يعود إلى وطنه وهو في عز حبه لها ، ليموت على تربته الأولى صافيا كقطرة ماء سقطت من شجرة عالية ذات فجر ربيعي « ص6
هذا الكاتب القاص والروائي الجزائري « واسيني الأعرج « الذي يدخلك في عوالم السرد المذهلة ويصوغ منها عبارات وكلمات ساحرة تشدك منذُ ُ بداية الرواية إلى آخر مفردة من مفرداته ، بلغة راقية ومتميزة وخزين معرفي لا يوصف ، يقول عنه الدكتور الناقد العراقي « عبد اللطيف الراوي الاستاذ في « جامعة وهران في عام 1978« إن هذا النتاج الواعي ، برغم حداثته ، يحتاج إلى تجريد قلم يدرسه باستيعاب ويعطيه حقه « ص11
« تفو … تفو على كل تلفونات الدنيا ، فهي لا تحمل إلا أخبار الشر والموت والفجائع «« شاحب يحمل بين قسماته تعاسة العصر وغباء البشرية ، يصطف داخل عينيه طابور العذابات اليومية ، كل شيء يعيده إلى الخوف الذي لم يكن قادرا على مقاومته « ص11
هذه الرواية الأولى « لواسيني « هي لحظة خروج من دائرة القصة القصيرة ، الضيقة والمكثفة إلى فضاء أوسع هو الرواية ، ومن مسؤولية أدبية محدودة ، إلى مسؤولية فنية أعقد «
وهذا الغوص في موضوع المعاناة التي يعيشها المغترب ، وانا منهم نعاني الكثير الكثير من القضايا التي تحيطنا في مجتمعاتنا الإغترابية ، غير أن الحلم شيئ والواقع شيء آخر ، وهذه الشخوص في جسد الحرائق ومنهم « كريم + رشيد « وغيرها تتحرك امامنا وكأننا أمام شريط سينمائي ينسج الوقائع بكاملها ، وكما يقال قوة الرواية ليست في عقدتها ، فهي معروفة منذ اللحظة الأولى ، ويتم الكشف عن أسرار القصة منذ البداية ، ولكن قدرة « واسيني « تكمن دائما في إعادة تركيب الوقائع ونسجها وبنائها من جديد لتكوين عالم روائي متميز . ص16
في عالم الغربة قرأت الكثير من الروايات ولم استطع إكمالها ، ولكنني وجدت في هذه الرواية ما أريدُ قوله « لا تنسى أنك أجنبي ، وأن عليك واجبات كثيرة تجاه الأرض التي حمتك من الخوف والحاجة !! ص135 ، تلك إحدى الرسائل الموجهة للمغترب العربي الذي يشعر بتنامي القيود عليه بسبب تطور مسيرة الصراع التي أفضت الى تلك الصورة النمطية التي إجترحها الغرب تجاه الفرد العربي ، لقد حاول القاص والروائي واسيني الاعرج ان يرصد واقعا ً معاشا ً بمختلف تشابكاته وتناقضاته عبر متخيل سردي ونجح في تسخير الصنعة السردية الروائية لإيصال فكرته الرئيسية وبأسلوب جذاب .

