عاطف محمد عبد المجيد
ليست المرأة في هذه النصوص جسدًا، وليست اسمًا، وليست مجرد حبيبة، إنما هي رائحة حياة أهملها الإنسان، رجلًا وامرأة، بل إنها هنا جوهر للوجود ليس لأنها مضادة للذكورة، أو ولّادة للرجولة، بل لأنها تمتلك من الأسرار التي من أجلها انبعث هذا الوجود، ومن أجلها أيضًا اندلع الصراع للاستحواذ عليه، إنها محررة البراكين. هكذا يرى عبد الوهاب الملوح نصوص الشاعر التونسي جمال الجلاصي التي يضمها ديوانه (مجد لصوتي خارج أغنيتها..يوميات شِعرية)، والصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر.الجلاصي يغامر، كما يقول الملوح، في ديوانه هذا ليروّض الحواس على الارتقاء جماليًّا، عبر تحسّس الأشياء من حولنا بالشمّ، متنسمًا جسد المرأة، التي يُعْلي من صفاتها الكونية، هذا الجسد الذي لا يكتفي بالإغراء فقط، بل يُدْهش، يُربك، يدفع لإعادة النظر في جسد الكون:
خصلاتها المتشبثة بأسنان المشط
رائحة نومها على الوسادة
شقشقة الماء السعيد بيديها
تبعثان الضوء
صوتها في الممر
صورتها على المرآة.
الملوح يرى أيضًا أن نصوص الجلاصي في هذا الديوان تأتي بلغة شفافة، رهيفة، هادئة، حالمة أحيانًا، وكأن الشاعر يلاعبها بنعومة ليتفجر جمالها من بين يديه أيقونات ساحرة، كما لو أنها مياه أنهار تتدفق في سكينة من الأعالي فتلفت الأنظار بمجراها وتشد الأسماع بموسيقى تدفّقها، إنه الشِّعر منفلتًا من القيود، يُكتب بضمير الشم بعيدًا عن ضوضاء النظريات والقواعد الأدبية. في قصيدته احتمالات الخريف يقول الجلاصي:
تكفيني الشرفة المطلة على بحر بعيد
تكفيني خوخة وفيّة لحُمْرتها
والسماء المفتوحة على وحْينا..
تكفيني قصيدة مغمسة بالحليب
وغناء الشاعر يشعل نارًا دون دخان.
الجلاصي هنا نجده يكتب القصيدة وقتما يحين وقت ميلادها، أي لا يلوي عنقها لتجيء مبتورة أو مشوّهة، بل يصبر عليها حتى تكتمل فتولد في أتم حالاتها، مفضّلًا أسلوب السهل الممتنع في كتابته، دون أن يتعمد الغموض أو المباشرة الفجّة، أو يستعين بمفردات معجمية عفى عليها الزمن.في ديوانه هذا يبدوبوضوح أن الجلاصي يجيد التصوير الشعري، وها هو يرسم لنا صورة شعرية يصف فيها أنثاه، جاعلًا القاريء يراها تتحرك أمامه على الورق، بل يكاد يلمسها بيديه ويشم رائحتها كذلك:
آه يا أخواتي!
لو رأيتنّ سرب فراشات بَسْمتها
لو رأيتنّ حدائق وجنتيْها
لو رأيتنّ سُرّتها!
نقطة العاج على إناء من رخام روماني
طرية كعجينة أمي قبل التنور.
هنا لا يكتب الجلاصي نَصًّا شِعريًّا، بل يرسم لوحة تشكيلية واضحة المعالم تنطق خاماتها بالمفردات الشعرية الحية التي تجسّد المعنى عبر تصويره تصويرًا فنيًّا جميلًا.ولا أضيف جديدًا حين أقول إن الجلاصي شاعر موهوب استطاع أن يُسيطر على زمام قصيدته التي لانت بدورها له وسمحت له بأن يُشكّلها مثلما يريد، متكئًا على فكرة شعرية غير مألوفة ، وصور برع في التقاطها:
قد تقرئين يومًا قصيدة، فتشمّي بين سطورها حرفًا يبوح من البعد أو يوقّع لحن أغنية سمعناها معًا.هل تذكرين رقة البارحة والغيمات التي حلّقت في سقف الغرفة كمراكب شراعية، وأمطرت أزهار ليمون؟ آه كأن البارحة صورة في قصيدة!.
غير أن الأنثى الحاضرة بوهجها في حياة وقصيدة الجلاصي، أحيانًا ما تغيب عنه، فتحيل حياته إلى قطعة من عذاب روحي شديد:
تغفو غيمات
على الأشرعة العائمة
يطفو غيابك على سطح أغنيتي
هل قطفتِ الموسيقى
من عطر التفاح؟
هل اقتفيتِ أثر ملاك
تساقط في فراغي الذي يفتش عنكِ؟.
وها هو يصور حالته حال غياب أنثاه عنه فيقول :
قاحل دربي خلفك.. منكسرًا يجرّ خطاه…. أي كمنجة تعيرني خيط نواحها…
لأعلق عليه أنيني
أم أمضي كأغنية يبللها ندًى
واحتمال بكاء….

