Pdf copy 1

          نجم عبد الأميري
رواية وأنت تنقل ناظريك بين سطورها وفصولها السبعة يغمرك إحساس بأنك تتجول مبهورا في معرض للفن التشكيلي ، فهي رواية لم تكتب بقلم روائي متمرس فحسب ، بل أبدعتها ريشة فنان تشكيلي تنثال من بين أنامله المواقف والمشاهد بشخوصها كشلال من اللوحات الفنية كتابة ، فهو يحمل في يده قلم الروائي البارع وفي الوقت نفسه ريشة الرومانسي وضربات فرشاته الساحرة التي هيمنت على فصول الرواية .
وهذه بعض الصياغات الأدبية التي طغت عليها سمات التشكيل بوضوح : 
( في عطلة ( الويك إند ) نسافر إلى تلك البحيرة ، فنفترش شاطئها الرملي ، وفي المساء نجلس صفوفا كل مع خليلته ، نتأمل مشهد الغروب ، ونرهف السمع للرنين القادم من خلف البحار ، ومنظر الشمس وهي تهبط ببطء نحو أعماق البحيرة ، نتنسم العطر المتسامي من حقول الأقحوان من خلال غابة الكرز ) ص 58
وما أروع هذا المشهد المرسوم بعناية فائقة حين يصف ( مختار ) الشخصية الرئيسية والمحورية في الرواية أولى حبيباته ( مريم ) في موقف درامي قائلا :
( أخرجت منديلا ورقيا ورديا ، ومسحت عن عينيها قطرات الندى الساقط من أطراف مآقيها اللامعة كلؤلؤ البحر انحدر على بشرة سمراء بلون حبات القمح ، أو كالبرد الساقط على أوراق السنديان في يوم شتائي ) ص 73
إن المفارقة التي تستوقف القارئ لهذه الرواية أن الروائي المبدع عبدالرضا صالح محمد لم يكن تقليديا في كتابتها وتبويبها ، إذ أنه لم يبدأ بالحدث ثم يتصاعد المسار التقليدي حتى النهاية كما في أغلب الروايات ، إذ جعل من المقدمة فصلا أولاً تكتبه ( زينب ) حبيبة مختار الثالثة وزوجته وهي أرملته بعد استشهاده ، وجعل من الخاتمة فصلاً سابعا كتبته زينب أيضا .
الرواية ذات الفصول السبعة تتوالى أحداثها النابضة بالحياة سردا من خلال شخوصها وهم الروائي التشكيلي ( مختار ) ذلك الرومانسي المرهف الحس له عالمه الخاص سائح في أحلامه في عالم السياحة حيث يمارس وظيفته في مكتبتها وعاكف على كتابة رواية . و ( زينب ) الفتاة ذات الوجه الصبوح والملاح التي تخترق القلب والذاكرة زميلة ( مختار ) وهو الروائي الرومانسي والتشكيلي البارع هي من يكتب الفصل الأول من الرواية والفصل السابع منها بعد عثورها على مخطوطة الرواية والتي كتبها ( مختار ) ولم يكملها ( وكان عنوانها مكتوبا بقلم الجاف وبحروف كبيرة ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) . ) ص 16 لقد توقف ( مختار ) عن الكتابة في روايته التي لم تكتمل بعد ووضع التاريخ تحتها 7/2/2006 ) ص 20
تقول زينب في المقدمة وهي الفصل الأول من الرواية ( ثلاثة وجوه أحبها مختار : مريم الوجه الأول ، ديدكا الوجه الثاني ، وزينب ـ أنا ـ الوجه الثالث ، كان حبه لمريم هو الحب الأول البريء الطاهر ، أما علاقته بديدكا ـ الوجه الثاني ـ فإنه حب مبني على الرغبة الجسدية بدافع جنسي بحت ، أما حبه لي أنا ـ الوجه الثالث ـ فهو حب متأني ، واع مبني على التفاهم والتكافؤ الاجتماعي ص 30ـ31 
فالرواية كما أسلفت في سبعة فصول :
الفصل الأول ( مقدمة ) الفصل الثاني ( شهرزاد تعبث بأوراق الخريف ) الفصل الثالث ( سراب العطش ) الفصل الرابع ( خلل في تقويم الزمن ) الفصل الخامس ( ثمة بصيص قادم ) الفصل السادس ( على شفا شعاع ) والفصل السابع ( ( تتمة ) .
فصول صاغها الروائي التشكيلي المبدع ( عبدالرضا صالح محمد ) صياغة فنية جميلة وحبكة متقنة وصب من خلالها أفكاره وآراؤه وفلسفته في الحياة كفنان تشكيلي وروائي وتربوي قدير وشاهد عصر ، صاغها في لغة فخمة وأسلوب رشيق وحوارات مقنعة في نقل الوقائع والأحداث مغطية فترة زمنية أمدها ثلاثة عقود ونيف من الزمان ، وتحديدا منذ اندلاع حرب الخليج الثانية ( احتلال الكويت ) وفترة الاحتلال الأميركي وسقوط النظام الدكتاتوري حتى الوقت الراهن .
فمختار الروائي والفنان التشكيلي الموظف في مديريه السياحة والاصطياف يستشهد في حادثة انفجار مروعة ولم يمض على زواجه من ( زينب ) ـ زميلته في الدائرة ـ سوى أسبوع واحد . حيث تكتشف أرملته ( زينب ) مخطوطة رواية بعنوان ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) لم يكملها مختار فتعكف هي على كتابة ما تبقى من فصولها ، وكان قد أطلعها على الفصل الأول في الرواية في أول أيام تعارفهما …   ( رحل شخصه وفارقني خياله ولم يترك لي سوى رائحة أنفاسه التي لا تغرب عن مخيلتي ، ، لقد عقدت العزم على كتابة ما تبقى من فصول الرواية التي شرع في كتابتها مختار وجعلت من فصلها الأول الذي كتبه فصلا ثانيا وكتبت مقدمة للرواية فصلا أولا ( أول ما تناولت أوراق الرواية لفت نظري عنوان الفصل الأول ( شهرزاد تعبث بأوراق الخريف ) الذي قرأته سابقا ، عرفت في لحظتها أنه يعنيني أنا شهرزاد ، فكيف اعبث بأوراق الخريف ) ! ؟ ص 32
إنه يريد أن يقول :ـ ( أنت يا زينب أيقظتِ فيَّ مشاعر الحب ) ، ( أنت يا زينب تساعدين في تجديد حياتي ) ص32
لذلك قررت إكمال الرواية وإخراجها إلى حيز الوجود لترى النور ؛ لأني عشت الجزء الكبير من أحداثها ، ولأنه كتبها من أجلي ، بدأتها بمقدمة وختمتها بتتمة .
( شهرزاد تبعث بأوراق الخريف ) الفصل الثاني من الرواية الموسومة ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) للروائي التشكيلي المبدع عبدالرضا صالح محمد .
إن هذا الفصل كتبه ( مختار ) كما ورد في الرواية وجعل فيه فصلا أولا يقول في مقدمة هذا الفصل ( سأمتطي العاصفة  الرعناء ، وأطارد الغيمة الهائمة في وكرها ، وأركب الموجة العاتية في محيطها ، فقد مضى العمر وجار بي الزمن خمسين عاما من الألم والوحدة القاتلة ، ولولا الكتابة ـ السلوى الوحيدة ـ لكنت ضيفا على إحدى المصحات العقلية أو أنسانا تجتاحه الكآبة على أقل تقدير ) ص 37 رجل واثق من نفسه ذو إحساس مرهف كونه فنان تشكيلي يجد في الكتابة الملاذ والخلاص من الاغتراب الذي تجسده الوحدة القاتلة بينما قطار الزمن يكاد أن يتوقف في محطته الأخيرة ويصف وصفا شاعريا رومانسيا لحظة مشاهدة ( زينب ) في مديرية السياحة والاصطياف ( تراءى لي حضورها بطلتها العطرة كأريج البحر عند المساء كإشراقه الصور ، منورة ، بهية ، حانية ، مليحة ، خطواتها ثابتة ، تمضي قدما كما لو تسير في الفضاء ، تمتاز بعينين سوداوين ، حنطية البشرة ، ذات شعر أسود كالليل العابس ، تنشره على كتفيها وأجمل ما فيها ذلك الخال على خدها الأيمن ) ص 41… 

التعليقات معطلة