لطفية الدليمي
فين يمَّة؟ أين أمِّي؟ وين ماما؟ كل واحد من أبنائها وبناتها كان يفتِّش عنها بطريقته وكلماته. وهم جميعًا في دهشة عظيمة كأنهم يرون الشمس تشرق عند منتصف الليل، أو أن عقارب الساعات تدور عكس اتجاهها. بل إن العقارب يمكن أن تتجه من اليمين إلى اليسار لكن زيَّان، والدتهم، لا يمكن أن تغيب عن بيتها. أين ذهبت؟ وكيف ستتدبر أمرها وهي شبه أميَّة، لا تتقن لغة البلد الغريب؟ هذا الغياب وما سيثيره من أسرار هو موضوع الفيلم الفرنسي الجديد والجميل للمخرجة فجرية دليبة. وهو من تلك النوعية من الأفلام التي تكتسب عمقها من بساطتها، فالبطلة زيَّان هاجرت من الجزائر وسكنت في ضاحية باريس. تزوجت وأنجبت أحد عشر ولدًا وبنتًا، طلع بينهم سمكري وبائع خضار وطبيبة وغير ذلك، ثم مات الزوج ووجدت نفسها وحيدة في مواجهة الحياة مع قبيلتها الصغيرة. إنها النموذج العادي للأم التي منحت كل حياتها لأبنائها ونسيت نفسها. لماذا يقلقون عليها إذا غابت ساعة عنهم؛ ساعة وحيدة في ستين سنة؟ غادرت البيت وتركت لهم ورقة مكتوبة بالفرنسية: «تجدون طبخة كسكس في الثلاجة. أنا ذاهبة». أين يمكن لسيدة في الخامسة والسبعين أن تذهب ومن كتب لها هذه الورقة؟ نزلوا يفتشون عنها في المستشفيات، ويسألون مركز الشرطة. يستغرب الضابط قلقهم؛ لأن المفقودة ليست صغيرة لتضيع ولا مريضة لتصاب بأزمة، فيقولون له إن أمهم لا يمكن أن تترك البيت من دون علمهم، لكن زيَّان غادرت بيتها بعد أن تلقت رسالة غريبة موشحة بالسواد، قرأتها لها جارة في الشقة المقابلة. كانت ورقة نعي تخبرها بوفاة مسيو شوفالييه الذي ترك لها علبة وكتب في وصيته: «تُسلَّم باليد». من يكون هذا المسيو؟ أهو جار من أيام الجزائر؟ حبيب الصبا؟ عشيق سري؟ إن الاحتمالات كثيرة. خصوصًا بعد أن فتشت البنات دولاب ثياب الأم وعثرن على أفلام لها مصورة بشكل بدائي. لا يصدق الأبناء الذكور أن لوالدتهم حياة موازية لا يعرفون عنها شيئًا. يزعجهم احتمال أنها كانت تعرف رجلاً غير أبيهم، هذه قضية تمسّ شرفهم. أما الشقيقات فهنَّ أكثر تفهمًا، والصغرى تجاهر بأن إخوتها منافقون وأنانيون، عاشوا حياتهم معتمدين على الأم، مشغولين بزوجاتهم وصديقاتهم، وكانت هي من يعتني بهم وبأطفالهم. ولم تطلب لنفسها شيئًا، أليس من المفرح أن يكون لها سعادتها الخفية الصغيرة ويكون هناك من اهتم بها؟ عملت زيَّان خادمة لدى المصور شوفالييه قبل استقلال الجزائر. لم يكن متعجرفًا مثل الآخرين. عاملها بلطف وكان يتقن العربية ويعتبر الجزائر وطنه الذي لا وطن له غيره. ولما غادرت أفواج الفرنسيين بعد التحرير، أهداها كاميرته السينمائية الصغيرة، وطلب منها أن تصور حياتها وترسل له الأفلام.. وهي لم تخذله بل صورت كل شيء: شقتها المتواضعة بعد أن تزوجت والتحقت بزوجها في باريس، أطفالها الذين كانوا ينزلون من رحمها بين سنة وأخرى، حياتها البائسة في الضاحية الفقيرة. كانت الكاميرا عينها الثالثة، أما هو فكان يرسل لها شرائط مسجلة يحكي لها فيها عن اشتياقه للجزائر، وينشد الغناء الشعبي، ويستذكر جديلتها الطويلة، وأحيانًا كانت تسمع ما يشبه النحيب في الكاسيت. خمسون عامًا لم يرها ولم تره. لكنه ترك لها وديعة بعد موته، فكيف لا تهرع إلى عنوانه لكي تنال إرث حياتها؟ أدت الممثلة المغربية ميلودة شقيق دور البطولة، وهي لا تختلف عن زيَّان كثيرًا. عاملة مهاجرة لا تقرأ ولا تكتب، تزوجت وتطلقت من رجل كان يضربها. وهي لم تكن تعرف من الفرنسية سوى: بونجور، ميرسي، وأورفوار. أنجبت ستة أبناء جاءوا لها بثمانية أحفاد، ثم حدث وهي على مشارف الستين أن وضعت قدمًا في صف لمحو الأميَّة. ومن ذلك اليوم تغيَّرت حياتها، عرفت أن هناك فنًا يسمى المسرح. صارت ممثلة في أوقات الفراغ، وأصدرت أسطوانة غنائية، ونالت وسام الشرف من يد وزير الثقافة الفرنسي. يتفرج أبناء زيَّان وبناتها على الأفلام التي صوَّرتها وهم في ذهول، يرون أنفسهم منذ كانوا أطفالاً، يكبرون في علبة الأسرار، وفي خيالات الظلال المتحركة على جدار غرفة المعيشة. يتنفسون الصعداء لأن والدتهم لم ترتكب إثمًا، كل ما هناك أنها ذهبت لأداء واجب عزاء. هل الإمساك بكاميرا حرام على الأمهات؟

