سمير التنير
يعتقد الكثير من الروس أن بلدهم يتميز عن باقي البلاد الأوروبية، وأنهم يبنون حضارة جديدة تختلف عن الحضارة الأوروبية الغربية، السائرة نحو التفكك والاندثار. هل هذا صحيح؟
يجيب عن هذا السؤال تشارلز كلوفر، الصحافي في جريدة «فايننشال تايمز» والذي كان مراسلاً لها في أوكرانيا منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد تعرف هناك على ألكسندر دوغين، المنظر الرئيسي لفكرة القومية الأوراسية. وعاش دوغين أحداث العام 2014 الدامية في أوكرانيا، التي جعلت أفكاره تهتز، حيث أن القومية الأوراسية تشمل أيضاً بعض الدول والشعوب التي شكلت الاتحاد السوفياتي السابق.
«ريح سوداء.. ثلج أبيض. صعود القومية الجديدة لروسيا» هو عنوان الكتاب الذي يرسم ملامح القومية الأوراسية لروسيا، والتي تنبثق من أصلها الإثني وجغرافيتها ومصيرها على مر الأزمان. وقد شهد الشعور القومي الروسي ارتفاعه في عهد بوريس يلتسين الفوضوي، وتحددت ايديولوجية الطبقة الحاكمة الروسية كرد فعل على السقوط التراجيدي للشيوعية الروسية. وترمي القومية الأوراسية إلى استرجاع كرامة ومجد روسيا، وبناء مجتمع جديد يختلف عن المجتمعات الغربية، المحكومة بالسقوط والزوال.
يتألف الكتاب من قسمين، يروي القسم الأول التاريخ الأكاديمي الروسي بما فيه من شخصيات قوية في العهد القيصري مثل بطرس الأكبر وكاترين الثانية وألكسندر الثالث، الذين حكموا روسيا إقطاعياً، واعتبروها جزءاً من أملاكهم الخاصة. وقد اعتمدت سلالة رومانوف أيضاً على فكرة الحكيم الإلهي الذي خصها بحكم تلك البلاد الشاسعة، وعلى أفكار المسيحية الأرثوذكسية ورسالتها العالمية. ويقول المؤلف إن مأساة روسيا تنبع من الموارد الطبيعية الهائلة التي تملكها. وقد تصرف الحكم القيصري كناهب لتلك الثروات، لا كمطور لها.
ينظر الكاتب إلى القومية الأوراسية كرد فعل على السقوط التراجيدي للاتحاد السوفياتي، وليس كمدرسة في التفكير السياسي. ويضع ذلك كنتيجة للقسم الثاني من كتابه الذي يُعنى بالتاريخ الحديث لروسيا، وجهاز الـKGB بكشل خاص، الذي شكل «الدولة العميقة» لروسيا بعد نهاية عهد يلتسين. ويقول المؤلف إن ذلك الجهاز كان يقف وراء الأحداث الغامضة التي حدثت في الـ 25 سنة الماضية، مثل الانقلاب الذي حدث في صيف 1991، والذي فشل لأنه جاء متأخراً جداً، فضلاً عن تمرد البرلمان الذي روّضه يلتسين بالقوة العسكرية، وصولاً إلى الانفجارات التي استهدفت المجمعات السكنية العام 1999، والتي أدت إلى اعتلاء فلاديمير بوتين الحكم بعدها. يسلط المؤلف الضوء على التناقضات التي تحفل بها فكرة القومية الأوراسية لناحية غموض أهدافها. لكنه يعتقد أن الطبقة الحاكمة في روسيا تريد أن تميز نفسها عن حكام الغرب وعن قوميتهم. ويعتقد الحكام الروس (بحسب المؤلف) أن القوميات الغربية تتناقض مع الحقيقة والمنطق، وتعمل بانفراد عن العالم.

