عزة دياب – قاصة مصرية
(1)
همسا كان صوتها، انجذبت إلى سرها بإصبعين تعودت أن أطفئ بهما الشموع، حاولت أن أطفئ فتيل الخوف الذي يراوغني مستعرا، أنفاسها دافئة أشعلت جانب وجهي بسخونة جعلت الدماء تحتقن في وجهي وعبثا حاولت التركيز.
تفاجئني يدي الأقرب إليها بالتحرك لدفعها؛ وشيطان داخلي يستمري الدغدغة ويحاول إقناعي بفرد شباك الصيد الآتي، فتحت كفى ألتقط تفاحتي.
ميزت كلماتها من بين أرجحة القطار، وضجيج الزحام:
ـ سرقت نقودي.
الخجل يقطر من قسماتها، رقيقة كنسمة فى يوم حار، بسطت لها يدي بما تريد، جاورتها ولففت ذراعي حول كتفيها في محاولة اختبار لرد فعلها، احمرار خديها يثيرني، ابتسامتها تشجعني فى مصادماتي المقصودة.
دسست في يدها كارتا لي، اتفقنا على النزول معا في محطة واحدة.
غابت عن عيني، مازالت محطتنا بعيدة، وقف القطار، نزل ركاب وصعد غيرهم، أذكر نفسي بأن محطتنا لم تأت بعد، تحرك القطار، لمحتها على الرصيف تمزق الكارت وتنفضه بعيدا.
(2)
صاح الولد اصطدت عصفورا أكحل.
بتلقائية نظرت إلى صيده مسديا نصائحي فى قص ريش الجناح وطرف المنقار، أسترق النظر إلى عينيها، تعودت على الاستهجان في نظرتها لكنه لم يتجاوز العينين، قلت: ألا تفرحين بصيد ابنك؟!
قالت وعيناها لا تفارقان صفحة النهر:
ـ صياد كأبيه.
فاجأتني بتحريك المجداف في الاتجاه المعاكس، صرخت في وجهها، هجمت على العصفور في يد الولد، تشبث الولد بصيده، عضت يده، حررت العصفور، ملأت الابتسامة وجهها وهى تتابع ارتفاعه، لم تلتفت لصراخ الولد الذي بات يجرف المياه من النهر بيده ويمطرها بها.
قالت: وصلني إلى الشط.
هززت رأسي علامة الرفض.
قالت: سوف ألقى بصيدك فى البحر.
تأرجحت ردودي بين التهدئة والتهديد بإلقائها فى البحر، نضحت عيناها بالألم عندما أثنيت على عداء الولد تجاهها.
تسربت المياه إلى القارب، في البداية لم أهتم، زادت، فحصت مكان التسرب، سددته بمزق الثياب.
جرفت المياه من القارب وجففته ورتبت الصيد، انشغلت وابني فى الصيد وتركتها لصمتها، ناديتها لم ترد، تلفت حولي أين تختبئين؟ في الماء أم السماء، أشار الولد أنها على مبعده منا، تعلقت بعوامة.
تفتحت شهيتي للمطاردة، في تغيير اتجاه القارب اندفعت المياه بداخله حاملة مزق الثياب المحشورة بين الواحة عندما قاربت الشمس على المغيب، كان أثرها قد ضاع والولد يحدق، وأنا محني أنزح المياه.
(3)
يقف بين طيوره المحنطة، يدور حولها: أأطلق سراحكم اليوم؟!
يضحك، يتخيلهم يتوسلون إليه أن يتركهم لديه آمنين بأعينهم الزجاجية وبطونهم المحشوة قطنا، وقشا وريشهم الباهت وأسنانهم المتحجرة وعظامهم المتيبسة.
صورتها فى المجلات والجرائد تطارده فى نومه وصحوه، هذه من توسلت إليه يوما ألا يتركها تواجه أهلها بورقة عليها اسم ملفق لرجل هرب من حياتها بعدما امتص رحيقها، عذبته دموعها، من يومها تجنب الأماكن التي تذكره بها.
هالة الشهرة والتقدير التي تحيطها أسرته، صمم على الوصول إليها.
قدمه أحد أصدقائه إليها، حدثته نفسه وهل تنتظر أن يعرفني عليها أحد، قطعا تعرفني عيناها بلون العسل، ابتسامتها العذبة، يداي تحفظان ملمسها، اليوم ستعود إلى أشيائي، همس فى أذنها: إني حبيبك العائد.
نظرت تجاهه باستنكار على أنه شخص مهووس يعاكسها.

