المستقبل العراقي/ متابعة
غيرة الأبناء من أقرانهم، مشاعر إنسانية طبيعية، ولكنها تؤثر بشكل سلبي حينما تزيد على حدها. وهناك غيرة تتمثل بضغط الأبناء على آبائهم أن يجلبوا لهم أشياء موجودة عند زملائهم أو أصدقائهم، ما يستنزف أحيانا جيوبهم، ويؤثر عليهم.
وتشتكي سهير جهاد من قلة دخلها الواضح بسبب غيرة أبنائها وكثرة مطالبهم بدعوى أن أولاد فلان لديهم ونحن ليس لدينا.
وتبين أن أبناءها يحبون التباهي والتظاهر أمام أبناء عائلاتهم بما يمتلكون من وسائل تكنولوجية أو بما يلبسون من ماركات، مما جعلها تكره اجتماع أبنائها مع أقرانهم حفاظا على مشاعر الأطفال، وكي لا تزيد الطلبات التي تضاعفت مع ظهور أجهزة الاتصالات والتسلية والتواصل الحديثة، كالآيباد والآيبود والآيفون.
وتضيف أن هذه المتطلبات مكلفة وغالية الثمن حتى على الأسر الميسورة، فماذا إن كانت تلك الأسر من محدودي الدخل. الطفل لؤي عبد الله (11 عاما)، يقول “لا أريد أن أكون أقل من أصدقائي، أود أن أبين لهم أنني أستطيع شراء آيباد أو أي جهاز حديث، وكثيرا ما يكون بيننا التحدي من يشتري أحدث جهاز خلوي أولا”.
وتفيد حنان السامرائي أن أبناءها يغارون مما في أيدي أبناء أقربائها وجيرانها، وأنها تضطر في أحيان كثيرة وحسب ظروفها المادية إلى تلبية طلباتهم، حتى لا يشعروا أنهم أقل من غيرهم، لكن في الوقت ذاته ترى أن ذلك الأمر قد يثير أنانية الطفل.وربما يكون الحل بالنقاش مع الأبناء وعدم الاستجابة الدائمة لمطالبهم.
“علينا أن لا ننفذ كل طلباتهم”، هكذا تقول ليلى كامل، فمن الطبيعي أن يغار الأبناء من مقتنيات غيرهم وأقرانهم، وأنها حالة مؤقتة بالغالب، وعلى الأبناء أن يشعروا بأوضاع آبائهم المادية، لافتة إلى أن الاستجابة لهذه الغيرة ربما تكلفها ما يقارب راتبها وراتب زوجها عدا عن المسؤوليات الأخرى ومستلزمات الحياة.
وتقول “يجب ألا ننفذ كل ما يطلبه منا الطفل، وألا نعوده الحصول على ما يريده بسهولة بدون معرفة قيمة هذا الشيء وكيفية المحافظة عليه”.
بيد أن أبو أحمد وهو أب لثلاثة أبناء، يقول “لن أجعل أبنائي يحسون بأنهم أقل من غيرهم، ولا أن يشعروا أن أباهم ليس ميسور الحال”، لافتا إلى أن غيرة أبنائه من أقرانهم استنزفت جيبه، ولكنه سعيد لأنه يستطيع أن يرسم الابتسامة على وجوههم بجلب الأشياء التي يحبونها.
ويبين اختصاصي علم الاجتماع د. عبد المنعم صبيح :»أن المستوى الإدراكي وفهم أبعاد الأمور بالنسبة للأطفال والمراهقين غالبا ما تكون سطحية وقليلة، وأغلب الأطفال والمراهقين يرون أن آباءهم قادرون على فعل كل شيء، وعلى أن يجلبوا لهم كل شيء أسوة بزملائهم وأقرانهم في المدرسة أو أقربائهم، بدون أن يدركوا أن قدرات الآباء متفاوتة، ولها سقف معين وحدود لا يمكن تجاوزها بحكم الفوارق المادية والظروف المعيشية بين أسرة وأخرى وشخص وآخر».
ويوضح :»أن سوء الفهم وعدم الإدراك لدى الأبناء يحتاج من الآباء إلى مد جسر للتواصل مع الأبناء لتوضيح الوضع الحقيقي للعائلة بطريقة فيها نوع من الود والمحبة، ومحاولة تحقيق رغباتهم ولكن بطريقة فيها نوع من عدم الإضرار بميزانية ومستقبل الأسرة، فمتى ما وصل الآباء إلى مرحلة يمكن من خلالها التفاهم مع الأبناء وإيضاح الأمور لهم سيساعدهم ذلك على التقبل وفهم معطيات الأمور».
وبنظره أن الأبناء حينما يصلون لهذه المرحلة سوف يتجاوبون مع الآباء.
ويقول صبيح “يمكن تقسيم احتياجات الأبناء إلى ضروريات وكماليات، وبالتالي يجب على الآباء مساعدة الأبناء في تحقيق احتياجاتهم الضرورية أكثر من الكماليات التي تتضمن الحصول مثلا على أحدث الأجهزة الإلكترونية للتشبه بالآخرين، هنا يجب أن تكون للآباء وقفة حزم وتفاهم مع الأبناء بأن الأمور الكمالية تخضع لمستوى المعيشة ولمستوى الرفاهية، ولا تخضع لمسؤولية الاحتياجات الضرورية كما هو الحال في الملبس والمأكل والمسكن والمشرب”.

