ما أكثر الاحتجاجات الصامتة المسجلة في مسيرة الشعوب والأمم. قد يتبادر إلى الذهن إن (المهاتما غاندي) يمثل أقوى مراجلها المتفجرة بالغضب المكبوت في النفوس المتطلعة للتحرر من الاستعمار والعبودية، لكنني أرى إن وقوف الرياضي الأمريكي (تومي سمث) مع زميله (جون كارلوس) فوق منصة التتويج في أولمبياد المكسيك، وظهورهما بهذه الانحناءة الحزينة نحو الأرض، أمام أنظار الجموع الغفيرة، التي كانت تتابع هذا المشهد المعبر عن الذل والاضطهاد والعبودية، والمعاملة السيئة، كان من أقوى الاحتجاجات الصامتة من دون أدنى شك، فعلى الرغم من أن المحللين كانوا على علم مسبق بأن العدائين (تومي سمث)، و(جون كارلوس)، قد يعربا عن احتجاجهما على أمريكا بعد فوزهما بالميدالية الذهبية والبرونزية في سباقات الجري لمسافة (200) متر، لكن الطريقة التي أعربا بها عن احتجاجهما الصامت أثارت دهشة العالم بأسره ليلة الثامن عشر من تشرين الأول (ديسمبر) من عام 1968. فقد كان هناك من يتوقع أن يمتنع الاثنان، وهما من حاصدي الميداليات في مناسبات العدو جميعها عن حضور حفل توزيع الميداليات في تلك الليلة، ولكنهما حرصا الحرص كله على القيم التي تحكم الشهرة والشعبية، وظهرا وهما يرتديان جوارب سوداء بلا أحذية ووشاحين باللون الأسود، كما ارتدى كل منهما قفازاً باللون الأسود في يد واحدة من دون اليد الأخرى. إذ ارتدى سميث قفازه في اليد اليمني، بينما ارتداها كارلوس في يده اليسرى في حركة مباغتة. لا تصدر إلا من أمثال الراحل (محمد علي كلاي). لقد كانت اللفتة محدودة، ولكنها كانت مؤثرة للغاية.
وما أن أنعقد المؤتمر الصحفي بعد انتهاء مراسم التتويج، حتى انفجر (كارلوس) ببيان، قال فيه: (نحن من السود، ونفخر بسوادنا في أمريكا البيضاء، لكننا لسنا جوادين غبيين، يؤديان دوراً في مضمار السباق)، وقال: (إنهما طالما يؤديان أداءً حسناً، ويحققان الانجازات الباهرة، فإنهما لابد أن يحصلا على استحقاقاتهما كاملة، وليس مجرد كلمات عابرة لتطييب الخواطر). وقال أيضاً: (لقد سأم السود ممارسات الذل والعبودية، وضاقوا بها ذرعاً، ويتعين على الرأي العام العالمي أن ينقل احتجاجنا الصامت إلى أبعد مدى، حتى يرى الكون كله حجم العذاب والبؤس الذي نعيشه).
لقد ترددت أصداء ذلك الاحتجاج الصامت منذ انطلاقه في الستينيات، ولم تخمد حتى يومنا هذا، وقامت جامعة (سان جوزيه)، التي تخرجا فيها بتجسيد هذا المشهد الاحتجاجي عام 2005، إذ أقامت لهما تمثالاً، وهما يلوحان بقبضتيهما في الهواء، وحفرت تحت التمثال عبارة تقول: (لقد وقفا هذا الموقف المشرف من أجل العدالة والكرامة والمساواة والسلام). فما أحوجنا نحن في العراق للاحتجاج ولو بصمت ضد هذه الحملات الطائفية المدمرة، التي تشنها ضدنا الكيانات الظلامية الغارقة في السوء، وما أحوجنا للوقوف ولو بصمت ضد أرباب الفساد والإفساد، وما أحوجنا لتوحيد كلمتنا ضد دعاة الرجعية والتخلف. ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين.

