قراءة نقدية للناقد والروائي : نجم عبد الأميري
( ضياع الحلم في عالم مضطرب )
في الفصل الثالث يذكر مختار ( ثلاثة وجوه صادفتها : مريم ، ديدكا ، زينب ، ثلاثة أبعاد للوحة واحدة أنت يا زينب البعد الثالث فيها ) ص 58
ثم تعود به الذاكرة فيتذكر البعد الثاني للوحة وجه ( ديدكا ) الغجرية البلغارية صاحبة الشعر الذهبي والتي تنحدر من أب روسي وأم اسبانية فيقول ( ثلاث سنوات قضيتها هناك كالطفل يعدو ويرتع في حقول وقصور وأنهار الجنة ) ص 59
ويقرر العودة إلى الوطن على اثر برقية وصلت تنبئ بمرض جده تعلقت ديدكا به وأصرت على السفر معه إلا أنه أقنعها بالبقاء وإنه لن يغيب كثيرا وسيعود سريعا .. ( بقيت أسبوعا قرب الأهل ثم حزمت أمتعتي للعودة ثانية إلى بلاد الثلج وملاقاة الحبيب ..( في المطار لم يسمحوا لي بالسفر خارج الوطن حتى إكمال الخدمة العسكرية ) ص 60
والتحق مختار بالخدمة العسكرية برتبة ضابط مجند . ( وبذلك ضاع البعد الثاني كما ضاع البعد الأول سابقا ) ص 60
وتعود به ذكرى فقدان البعد الأول ( مريم ) وقتها كان في الصف الثالث في أكاديمية الفنون الجميلة حين أقبلت مريم . ( وفتحت أزرار ثوبها ، بقيت مندهشا أراقبها ، ثم أنزلت ثوبها ببطء إلى أسفل بطنها فانبجست أضواء الكون ألقا وسحرا ، وأحتوى فناء الغرفة هالة من جسدها المقمر ، كأنها منحوتة فينوس أو إيقونة القديسة مريم ، ثم استدارت مباشرة لتعرض لي ظهرها ) ص 67 وشاهد مختار آثار الضرب . أخبرته مريم أن أمها ضربتها ضربا مبرحا لإجبارها على الزواج من شخص لا تعرفه .لذلك فهي تريد الفرار معه إلى بغداد ، وقد رفض مختار الفكرة . ( أجابها لا لن يكون ذلك ، قالت : إذن فهو الفراق ( وهكذا غادر البعد الأول للوحة كما مضى البعد الثاني ) ص 69
أما في ف4فإنه يرسم لنا لوحة سريالية نابضة بالحياة ، تصور عبثية الحرب وأهوالها وجنون القائمين بإشعالها فيقول : ( توغلت مع جنودي داخل الحدود الملتهبة واجتزت السواتر الواحد بعد الآخر وأنا أهدر زحفا كالرعديد المخمور نحو الآخر في منطقة الخفجي كما لو أن جرارا متهورا يسير بجنون ، لا تهمني الحمم البركانية ولا القذائف الصاروخية والجبهة مشتعلة كأنها بركان غاضب ، المقاتلات فوق رؤوسنا والرصاص أمام صدورنا ) ص 74
ويعود مختار إلى وحدته العسكرية بعد شفائه من أصابته إلى تدريب البطرية الثالثة في كتيبة الدروع أحبه آمر البطرية وقربه إليه مما أوغرت هذه العلاقة صدر ضابط التوجيه السياسي فاضمر له العداء والحسد مما دعاة على الإيقاع به فالقي القبض علية وأودع في الزنزانة .( كان الضرب والكي قد تعايشا مع جسدي ، كان مبرحا متوحشا ، سافرا ، تعدى قوانين الحدود الإنسانية عامة ، وبقيت في غرفة التعذيب فاقد الوعي ) ص 86
بعد اعتراف مختار الإجباري سيق الى المحكمة وهناك صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد ورُحِّل إلى سجن الرضوانية . هناك رسم صورة مدير السجن وهذا بدوره حملها إلى بيته فشاهدتها زوجته وطلبت منه الإيعاز لهذا الرسام أن يرسمها . ثم طلب منه مدير السجن أن يذهب مع سائقه ليرسم زوجته ، وقد كانت هذه الزوجة عاهرة مستهترة ، تعمدت إغراء مختار أثناء الرسم وراودته عدة مرات لكنه لم يستسلم لها فلجأت إلى الحيلة حتى أوقعته في الخطيئة ولما أحس بدناءتها أنجز اللوحة بسرعة .
في السجن يتعرف على خالد الشاب اليافع الذكي الذي طمروه في السجن لأسباب واهية ، وقد رفده بالروايات التي كان مختار يحب قراءتها .
ف 5 : ( ثمة بصيص قادم )
هنا يرسم لنا الروائي صورة تراجيدية لموقف إنساني عاطفي ، وهو حاليا جزء لا يتجزأ من حياة العراقيين والعراقيات اليومية ، المتمثل في لهفة الأمهات على أبنائهن في زمن الخوف من المجهول في ظل ثقافة العنف وغيابات السجون ، يقول مختار ( دخلت فوجدت امرأة ضعيفة محجبة لم يظهر منها شيء ، كنت أحس بأنها أمي ، ساد الصمت بيننا وبقينا فترة على هذا الحال ، رفعت حجابها فبانت بالكاد ملامحها ، صاحت بتوجع : ـ مختار !!
ـ أمي !! عانقتني بقوة أحسست بندى دموعها على كتفي ثم أزاحتني قليلا تنظر إليَّ ، ثم قبلتني من رأسي وعنقي وشمتني حتى كادت أنفاسها تنقطع ) ص 161
بعد لقاء مختار بأمه شعر براحة كبيرة وكأن صخرة أزيحت عن صدره فتفرغ للقراءة والكتابة وأنجز ثلاث روايات .
ف6 ( على شفا حفرة )
أطلق سراح مختار في العفو العام الذي سبق الحرب على العراق من قبل الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .حيث يسافر مختار بصحبة والدته إلى بغداد للعلاج وفي عيادة الطبيب يلتقي بصديقه أحمد السجين السابق والذي يساعده على تقديم أوراقه للتعيين . ويتعين في وزارة السياحة والاصطياف / قسم العلاقات .وفي عامه الثالث للتعين تصدر روايته الثالثة وفي نفس العام يتعرف على ( زينب ) زميلته في قسم الترجمة ، ورغم فارق السن بينهما تحدث علاقة حب قوية بينهما. يقول مختار :ـ ( قبل الخطوبة بمدة قللت الخروج وتفرغت لكتابة روايتي الرابعة تحت عنوان ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) ص 201 حيث تحدث فيها عن سيرته منذ التلمذة حتى لقاءه بزينب وفي هذه الفترة الرائعة من حياته يتم عقد قرانه وزواجه من زينب وكان قد أكمل لوحة ( زينب ) بأسلوب رمزي .
( توقفت عن الكتابة هذه الأيام لانشغالي ، راجيا أن أعود له بعد الزواج ، مختار 17 / 2/2006 ) ص 211
ف 7 ، وهو الفصل الأخير من الرواية والذي كتبته زينب ووضعت له عنوانا ( تتمة ) .حيث تتحدث فيه عن لحظاتها الأخير مع مختار وهي على السرير :
( عاد ليقف بالقرب مني ، ثم انحنى علي وقبلني من رقبتي قبلة طويلة ، كما لو تنفس كل جسدي ، ولم اعلم أنها قبلته الأخيرة ) ص 217
لقد تزامن الانفجار ولحظة مغادرة مختار المنزل في صباح ذلك اليوم السابع من الزواج ، وكان من بين الضحايا .
( ذهلت وأغمي علي ، ولما أفقت لم انتحب ولم ابك ، فارقتني العبرة واحتبست في صدري ، صرت مأخوذة بل وكأنني مجنونة أهذي بكلمات لا معنى لها ) ص 222 ، إنه حزن الفجيعة ، حزن الأمهات الثكالى ، حزن النساء الأرامل تتحجر الدموع في المآقي ويحتبس الصراخ في الصدور . وتمضي الأحداث ( كان الوقت ضحى لم أتناول فطوري بعد ، تركت الكتابة ، شعرت بخدر في رأسي ثم ازداد شيئا فشيئا ليتحول إلى دوار جامد ، شعرت بجسدي يترنح يكاد يسقط ) ص 254 وبعد إجراء الفحوصات المختبرية : ( نظرت الطبيبة في ورقة التحليل ثم ابتسمت وباركت لنا قائلة : لا تقلقي الجنين بصحة جيدة وأنت في بداية شهرك الرابع ) 256
قضت زينب أيامها اللاحقة في كتابة ( تتمة ) الرواية والاعتناء بجنينها وكلما قرأت مقطعا قرأته له وحمدت الله على نعمته ( حمدا لملكوت الله وقدرته إذ عوضني عما لحق بي من حيف عن مختار الكبير مختارا صغيرا جنينا في بطني ورواية على وشك طباعتها ) ص 258
إنها الرواية الوثيقة التي تؤرخ لفترة حالكة السواد من تاريخ العراق الحديث اتسمت بالظلم والكبت والقهر والحروب العبثية وما تبع ذلك من فقدان الأمن والأمان في وطن مضطرب ضاعت فيه الأماني والأحلام .
لقد كتبت الرواية بأسلوب سردي متفرد ولغة شاعرية فخمة ، أبدع الروائي التشكيلي عبدالرضا صالح محمد بتوظيف موهبته كفنان تشكيلي قدير في تصوير شخوص الرواية وأحداثها بضربات فنية من ريشته ورهافة حسه المتجلية في رسم المواقف الرومانسية المتجلية في لوحته الرائعة ( ثلاثية اللوحة الفارغة ).

