الشاعر /الدكتور حربي طعمه المصري
الإهداء
( أبي لا يقرأ ولا يكتب.. ولكنه كان كلّ مكتبتي )
إلي أبي رحمه الله وادخله عوالي الجنان
في المساء ، حين تشفُّ الروح كما البلور وتنعتق لترقى أدراجاً من النور تومض قبساً يعيدنا سيرتنا الأولى، أطفالاً نتهجأ لغة البراءة والحلم والزمان تهلكة ،ومواقد نُشعل فيها أخشاب التجارب اليابسة التي طالما صُلبنا عليها ذات نزف وإنتكاس ،وحين يخلع المساء عباءته السوداء ،يسدل سامر المعاني ستائره المسائية اليقطينية ليواري سوءاتنا ذات افتضاح، ومن خلف ستائر المساء يطالعنا بمجموعته القصصية التي تروي ذواتنا الصافية النقية لم يخالطها قط زوان التأنق ببوحها الرقيق الشفيف .
في ستائر المساء، يرى سامر لعيوننا ويسمع لأذاننا، ينوسُ مقترباً من هدوء راهب ويشتعل لينير حلكة مشهد، يقترب قاب وجع او أدنى ويبتعد مسيرة حلم على قاب قوس من المعنى والرجوع..
يدرك بتجربته الومضية تداخل الموجات وتعقيدات المرائي تحتشد في قليل من الحشو اللفظي،
ويطلع علينا من كلّ الجهات مدققاً بمهارة فائقة على مرمى المتلقي، فاتحاً المسافة للمشاركة والتقاط المعنى، يدهشك بتياراته المتعددة وهو إذ يدعوك للغوص لا بد من الاستعداد ،
وحين يقدم لك فرساً لمعنى تحسبه ظاهراً طيعاً إنما يحرّضك على تجربة الحرون.
يعيدنا سامر إلى جيل إرتسمت على أكفهم الخشنة خرائط أزمنة التعب وأمكنتها، تروي تفرعات الشقاء والكدح وحرقة الملح على جباه لوحتها شموس تموز وهم يحفرون بأظافرهم صخور التحدي ويبنون على أكتافهم الصلبة بناءً شامخاً من اللحم والدّم يستعصي على الصدأ، ويفترشون سجاد العطاء والأمل والرحمة في زمن عنوانه البور، وما كتبوا وما درسوا وكانوا أعظم مكتبة ومدرسة يبقون ابداً وإن ظنّت مواسم الأبناء عليهم بالشكر والثمر المرتقب على أمل البيدر القادم .
يطرّز سامر بمجموعته القصصية أشرعة من ستائر لمراكب الذاكرة الراسية في مرافئ التيه المنسية خلف أوشحة الواقع المرّ،
ويدفعها بريح الكلمات الجزلة الواثقة نحو معابر هدفها الإنسان، ويصرُّ على فضح الواقع وتعريته في زمن أصبح فيه الدرهم والدينار ورقة التوت التي تستر عوراتنا، وينحاز إلى طبقة المتعبين والكادحين الذين كبى الفقر فيهم منتصف الظهيرة، يسكنون بيوتاً تخفق الأرياح فيها إلا من حبر كرامة يسطّرون على مواقد تعبهم ما تبقى من أنفة وأحلام جميلة سرعان ما تتبخر فوق جمر الواقع، وهم الأموات لا ينقصهم سوى ورقة صفراء تعلن وفاتهم بلا عنوان.
يحتسي سامر كؤوس شخوصه المختمرة في حانة الأنين والخوف، بتقمصها بإتقان ويبحث عن مرساة تعذبت وهي تبحث عن قرار،
فغيمة الحلم التي تمطت في سماء الاشتعال العاطفي لفتاة كانت سبباً في طردها، والتي تخاف الإفصاح حين تقلبت على وثير فراشها المخملي ذات مساء فيروزي وهي تظنُّ ان لا أحد يراها تفضحها المرايا في الصباح .
أن كلماتنا الصامتة المرتجفة الخائفة ، انداحت في محبرة سامر وعلى شفتيه تدكُّ قباب الخوف وتفتح أبواب الطوفان والأفق فتنة. نعم، يعلن سرداب الخوف استحالة اللقاء بالبنفسج والذي سطّر رسالة الحبّ بكفين مرتعشتين ما زالت تطارد خيوطاً من دخان وحبيبةً بلا عنوان، وحين نطق الرصاص سقطت المدينة الفاضلة وكانت الشهيدة الأولى مخلّفة أزهار اللقاء الأول المرتقب،
وحين سقط الثلج في أرض ما عرفته قط، اغتالته يد المطر قبيل الصباح، ونطق سواد القهوة المرّة التي أدمنا مرارتها وهو يسري في عروق الألياف الورقية،
وحينها توقف الزمن ونحن ندقٌّ أجراس الحزن والحسرة والألم، نملىء صدورنا خيبة وأسى وندمن الحالة، فالفرح والأمل كالطيف العابر المتشنج ينسينا أسمائنا ويعيدنا للمجهول .
نعم، أرصفتنا باردة، وشوارعنا ترتدي أثواب السواد، سكانها جثث هامدة تتلاشى كالأشباح في النهار، والليل موت محتم في غرف الوحدة المغلقة بستائر الخوف نخاف النوم وننتظر الصباح ونلتمس الأنس لا من أحد سوى من شال تعتق فيه عطر حبيبة قبيل الشهقة الأخيرة في أخر نفس، وما من دواء سوى حقيبة اضعناها ذات تأزم اعادها صيدلي أنيق يجيد جيداًً قراءة الوصفة .
ستائر المساء، إضافة إبداعية لهذا الاديب الرقيق الجم
المبدع، وما لامست الا النزر اليسير لهذه المجموعة القصصية الرائعة كي لا افوت على القارىء الكثير من الدهشة الماتعة.

