Pdf copy 1

             الشاعر والناقد اشرف محمد قاسم
– 1 –
إن خصوصية النص الشعري عند “البيومي عوض “تكمن في تلك اللغة الطازجة البكر وكيف يستطيع تطويعها لتك الأشكال والتجارب التي يؤطر إياها بها مما يعطي المشهد الشعري مذاقاً مختلفاً كل الاختلاف عن كل تجارب الجيل وأعطته تميزاًوتفرداً 
التفاصيل الصغيرة هى الهاجس الأهم في قصيدة البيومي عوض ،تلك التفاصيل التي تهب علاقته بقصيدته البريق الذي لاينطفيء  إذ أنها تحمل في طياتها الكثير والكثير من احتمالات التأويل إذ يتسع لها النص وترحب رقعته ويتسع لأكثر من قراءة على حسب مفاتيح الشاعر التي يهب القارئ إياها :
أيها الفقراء الذين رموني 
أصلي لكم فوق سجادة من عتاب 
كيف بالله هنت 
وكيف بداجية سرقوا سترتي وعيوني والمشتهى 
وحقول الصهيل ؟
كيف كيف يداس الضحى ؟؟
فتذل ربا الياسمين وتنطفئ الروح 
تنهشها ساعرات الأفول ؟ 
– 2 –
البعد الإنساني في تجربة البيومي عوض لايقل بأي حال من الأحوال عن الأبعاد الأخرى للنص ، بل أنه هو البعد الأوضح في تلك التجربة المتفردة
 يا بحر من بأجندة العام الجديد   يجيئنا . . إن الـفصـــول معلقة !
ويقول : سيحوا في عيون الشمس   ثم تكلموا تجدوا الحدوس موثقه
هاتوا لكل العاشقـين زنابقاً    فالكون لولا العشق يـاما أحمقـه!
تراسل الحواس هو اللحن المشتهى لدى البيومي عوض مما يعطي النص عمقاً واتساعاً وغرائبية أحياناً، ولذا يقف القارئ على أعتاب قصيدته ،  متردداً ، أيلج أم يعود ؟ خشية أن لاتحمله لجح الماء فيغرق بين أمواجهه المتلاطمة إن لم تمتد إليه يد ٌطوق  نجاة من ذوقه وثقافته التي لابد أن تكون على مستوى النص المقرؤء!ذلك النص المراوغ ، فإذا استطاع فك أزرار قميصه /النص/غمره شعورٌ عميقٌ بالبهجة والدهشة في آنٍ ، 
حتى في لحظات إحباطاته وانكساراته وفقدان اليقين لايشعرك نص البيومي عوض باليأس  . .  بل يعلو فوق كل هذا فيوقد شموعه بدلاً من أن يلعن الظلام !
-3-
الحب لديه قيمة عليا تدور في فلكها كل القيم الأخرى من عدل وتسامح ووفاء وإيثار ، ولذا نراه يفرد ديواناً كاملاً لرثاء أبيه – في سابقة أحسب أنها الأولى في الشعر العربي –وفيه يغرد كطائر ليل حزين يناجي نجمة المستحيل التي لن يستطيع الإمساك بها أبدا ، ولا حتى الوصول إليها : 
لاتعطني خيرالخزائن أعطني      عيني أبي عيناًأبي صحفٌ سماوية
لاتعطني الدنيا العريضة إنني       أزن السما بأبي أبي زنةُ الوداديــة
شرف الأبوة في أبي متكامـــلٌ    والله يرحمها انحناءات العبوديــــــــة(3)
وفي هذا الديوان “أبي “ يركز الشاعر كادره على تلك المشاهد التي تتضح بالأسى والألم استدعاءً منه لصورة الأب الراحل في مشاهد تجمع بين الآنى والفلاش باك ،في مناجاة تقطر أسى وحميمية : 
حتى ترضى 
سأسل دموعا ًفي البلوى 
عتبى ! 
كما يتسم النص الشعري عند البيومي عوض بالرحابة الفنية متمكناً من عناصر تجربته من لغة وتصوير وخيال مع الخروج بالنص من أسر القيود القديمة والقوالب الجاهزة مما يعطي المتلقي الحرية في تأويل تلك 
النصوص التي تحمل وتحتمل أكثر من تأويل ، على أن العلاقات الإنسانية هى الخيط الرفيع الذى يجمع شتات تلك الرؤى في تلاحم وتناغم مع الحياة والإنسان بإحساس الشاعر ، وإدراك المفكر الذي يحاول فك طلاسم الوجود ، من هنا نرى الموت حاضرا دائماً بجانب الحياة بل كل المتناقضات في محاولة دؤوب للبحث عن يقين ، وكأنه يناهض بفنه الفناء والعجز مصوراً كل ذلك في لقطاتٍ متناثرة داخل نصه الشعري تحمل الكثير والكثير من الأبعاد والرؤى والدلالات حتى ليشعر القارىء ُالعادى ، بل وربما المتخصص أحياناً أن نص البيومي عوض نصٌ متعالٍ يقف أمامه المتلقي عاجزاً عن فك شفراته ، كما يعترف هو : 
 أسرف القراء ُفي شجب غموضى 
وغنائى للحمامات ألا ابيضي 
 وبيضي 
 وغنائي للصبايا
 والفساتين الجديدات 
 وقنديل مريض 
  أهدروا وجهى لأني – وأنا الحرف المصفى –
أفرض الآن فروضى ! 
وأرد المطر المنفى للأحضان والبرقِِِ والمهيض 
ربما ألهو قليلاً
أضرب الجمر بخمرٍ
وأهاذى سنديانات النقيض
 ربما
لكنني–من تعرف الأشجار –
صهريج السما 
والعشب والتوق العريض 
أهدروا وجهي
لأني قلت للشمس 
استحمي بذراعي
 وغسلت الشوق
 في طست الوميض ! 
-4- 
تزخر نصوص البيومي عوض بالصور الشعرية المركبة وما يستتبع ذلك من مجاز واستعارة وتشبيه ليصير النص لديه مشهدا مصورا لامكتوباً مع المحافظة على الإيقاع الشعري للنص مما أعطى النص أبعاداً أرحب من التشكيل والدلالة :
 يا أُصيحابي النشاوي
هل تصورتم تحاريق الجمال ؟
لاتقاتلني صديقي
كم برمح اللون من نزف غزال 
كم بفص النور من ذوب جبال 
لاتقاتلني صديقي 
آهتي الغامضة الحيرت الوعي وقلبي 
هى تيهٌ غجريٌ قتلك 
لاتقاتلني صديقي  
إن الكون نصف مشمس 
نصف حلك 
وأنا في فرن روحي لا أُبالي 
رضى العالم 
أم أفتى عفيفاً باغتيالي !..! (6)    
– 5-
كما يمثل الحس الصوفي ملحماً مؤثراً – بل هو أحد أهم أركان تجربة البيومي عوض –ومرجع ذلك إلى إيمان الشاعر بأن “الصوفية هم أول من أشار إلى أن التجربة الروحية شبيهة بالرحلة وهم الذين جعلوا من سعيهم وراء الحقيقة سفراً مضنياً مليئاً بالمفاجآت والمخاوف في طريق موحش طويل ،قد ينتهي بسالكه إلى النهاية السعيدة إن وفق الله وأراد”:
ولِّ أشواقكَ ولِّ
شطر أفراح التجلى 
هذه الريح رخاء 
واشتهينا
قمرٌ يمطر موسيقى 
وطير 
سابح في نهر طلَ
إنها تعبد 
زهرالشمس في عينيك يغفو 
والصبايا
 والحكايا
وضفاف العشق والأنسي المدل 
إنها تعبد طوبى للمصلى !
ومن هنا نرى أن الإتجاه الصوفي في شعر البيومي عوض هو إحدى الطرق التي اختارها لاستكناه حقيقتى الحياة والموت وسبر أغوار الوجود والعدم وبث آلام النفس وعذاباتها في ثنايا التجربةفي محاولة –كما أسلفنا- للبحث عن يقين :
أصواني البين 
عذبني دوماًحرف ال”أين” 
فأدر لي كاسات التصريف 
وجهك أوحشني 
فأدرها كاسات التصريف 
هل كان رحيلك موتاً 
موتين ؟
ألفاً..ألفين ؟
بل عد الرؤية كان 
وعد الظلمة 
عد الشمس 
وعد الموت
 وعد نسيم الفجرية
كان رحيلك صاعقة كونية 
فالحيلة 
كيف بوعى الكون !(9)
ولكي يعطي ا لشاعر صورته بعدها الصوفي نجده يستخدم مفردات الصوفية الخاصة لتقريب تلك الحالة الوجدانية والروحية إلى ذهن المتلقي،تلك الألفاظ التي تتلائم مع رؤاه الروحية في مشهدية شفيفه ،ففي قصيدته (زمردة)فقط من ديوانه “سواحل هاربة يمكننا أن نحصي الكثير من مفردات الصوفية ومنها( العشاق ، الصبابات ، اسر ، الإلهام ، تكبيرة الإحرام ، النور ،النجوى  ،خمرة الذات ،البلد الحرا م ، الغفران ،العشق ، إخبت وهج الجلال ،السكران ) وذلك لأننا – على حد تعبير الشاعر اللبناني بول شاوول – “ إذا أردنا أن نبحث عن الشعر التغيري في الأدب العربي  القديم ،فلن نجده عند المتني وأبي نواس وأبي تمام على عظمة هؤلاء ،لأن شعرهم هو شعر المكان المغلق !يكتبون لقارىء واحد هوالأمير أو الملك 
الشعر الحقيقي  الذي يعبر عن تحولات اللغة والمجتمع والطبقات السفلية والمخيلة الجامحة والجنون سنجده عندالنفرى وابن عربي وعند الصوفية “(10) وذلك لأن “التجربة الصوفية والتجربة الفنية تنبعان من منبع واحد ،وتلتقيان  نفس الغاية ،وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه بعد أن يخوض غمار التجربة “
رويدك
يانهور النور .. في الأحناء تنسربُ
وهل في الطير 
ذو شوقٍ
ولايفنى
وهل
في الخلق أمثالي 
كربيين لو كفروا ..وصديقين لو كذبوا ؟
إذن نحن بصدد شاعر يمتلك مفاتيح تجربته كلها من خيال ولغة وتصوير وتشكيل إلى جانب حسه الصوفي الشفيف يحاول من خلال تجربته المتفردة أن يقول لنا :بل الشعر بخير يا سادتي إذا أخلص الشاعر لتجربته واحترق بأوارها!!

التعليقات معطلة