Pdf copy 1

د. أمل الأسدي
إن الاغتراب ظاهرة إنسانية نفسية قديمةبقدم الإنسان،فقد عانى الإنسان من اغترابات شتى في حياته، والاغتراب والغربة من مادة ( غرب) التي وردت في المعجمات العربية بمعنى ( الذهاب والتنحي والنوى والنزوح، والتغريب هو النفي عن البلد ) ومن حيث الاصطلاح  فالاغتراب هو الانسلاخ عن المجتمع وعدم التكيف مع الأوضاع السائدة ،والعجز عن التلاؤم وانعدام الشعور بمغزى الحياة) والاغتراب ايضا هو الوحدة والإنفصال والتخلي والتجنب .
وظهر جلياً أن الاغتراب كان نصيب الشعراء ومرافقاًلهم في حياتهم، فقد عانى منه امرؤ القيس وعنترة وذو الرمة وأبو تمام والمتنبي والمعري وصولا الى العصر الحديث إذ ظهر في شعر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري والجواهري.. الخ وهكذا ظل الاغتراب بأنماطه المتعددة( الاجتماعي والعاطفي والسياسي والمكاني والروحي) ظل نصيب الشعراء ورفيق تجاربهم بل وظلالها، ذلك لأن الشاعر يختلف في طبيعته الإنسانية عن غيره من الناس، فهو مرهف الإحساس، شديد التأثر والإنفعال، سريع الاستجابة للمثيرات التي تستفزه في حياته والتي توصله الى الامتلاء ثم الى التفريغ عن طريق لغته الشعرية وصوره المشحونة بالدلالة.
ونحن الآن بصدد شاعر معاصر ليس بدعاً من الشعراء وهو الشاعر( أشرف قاسم) الذي تجلى الاغتراب بشتى أنواعه في شعره المتمثل بدواوينه السبعة قراءة في كتاب النأي، شفاهك آخر ترنيمة للحياة، ساقية مهجورة،سهد المصابيح، هذا مقام الصابرين،بئر معطلة، طعم الحكايا القديمة)  إذ تجلى الاغتراب حالة شعورية تلقي بظلالها على نصوصه  فالمتلقي يشخص بوضوح معاناة الشاعر واغترابه على الرغم من أنه لم يغادر بلده( مصر) مطلقاً ولكن اغترابه كان اغتراباً نفسياً وروحياً واجتماعياً وعاطفياً وسياسياً، وهو اغتراب المثقف الذي يعود الى سببين أولها قضية الحرية وما يتصل بها من أمور سياسية واجتماعيةوثانيها صدمة المثقف بالواقع وإحباطه وضياع أحلامه في ظل تعقيد الحياة وصعوبة الحصول على ما يكفل الحياة الاقتصادية المستقرة .
وتبدو معالم الاغتراب في قصائد قاسم من حيث مفردات معجمه اللغوي التي عكست لوعته وغربته نحو( ارتحال ، ضياع، انتظار، نسيان، فراق، الموت، افتقاد، لوعة ، وطن، نوى، الهروب، النأي، التمرد، الجوع،الحنين ، البريد،الغرباء، تغربني،الوداع، المنافي،انشطار ، الدروب..الخ)ولعل ما يناسب المقام هنا تقديم الاغتراب الروحي الذي يهيمن على نصوص شاعرناويعكس انفصاله عن الظرف القائم وتطلعه الى الانعتاق من محيطه والهروب الى عالم خاص صنعه لنفسه، وهذا الاغتراب جاء نتيجة لتراكم أنواع اغترابية عديدة( اجتماعية وعاطفية وسياسية ) وهو مايطلق عليه( غربة الغربة ) فنجده يقول في إحدى قصائده:
أيها الليل.. يارفيق شجوني
كيف فجر المنى تستبيه الليالي
أرسم الآن ضيعتي وانشطاري
ضائعاً في بلاد تنتشي لارتحالي
أين ماقلته عن زمان بهي
سوف يأتي؟ كان محض خيال
لم يعد في بيادر الحلم إلا
أنه الجرح بين صمت إنعزالي
ضعت ياعمرنا..كم ركضنا
خلف وهم الرؤى والدنى لاتبالي
ففي هذه الأبيات ينادي الشاعر الليل رفيق آلامه وعذاباته،فيناجيه في عتمة السكون ويلوّمه على ضياع أحلامه ويلوم بلاده التي تسعد برحيله  فهي لا تعتز بأبنائها، وهكذا ضاعت تلك الأماني وتبددت   وهو الآن في قمة الاغتراب الروحي إذ انشطرت روحه وضاعت واللاجدوى تأكل نيرانها ماتبقى، وفي قصيدة أخرى بعنوان( نام الحنين على ستائر شرفتي) :
لا حد للأحزان سيدتي
وليس بوسعنا غير الركون الى الدموع
ليأسرنا الغروب
هذي شبابيك الجراح 
تفتحت
والليل يصلب فوق ثغرك غنوتي
كي يطفئ اللحن الجميل على فمي
قمر يسافر
في منافي الروح
يغسله الشحوب
لاحد للأحزان سيدتي
جراد الأرض يسرح في سنابلنا
نموت بحوعنا عطشى
بلامن ولاسلوى
كأغراب  تضيق بِنَا الدروب
فالغربة الروحية تشحذ وعي شاعرنا وفكره وخياله ليمطرنابدموعه التي ركن اليها برفقة الحبيبة في ذلك الليل الذي حرمه متعة اللقاء  إذ سافر القمر وأظلم المشهد وصار صامتاً، شاحباً، لتتصاعد آلام الشاعر ويتعمق شعوره الاغترابي فيقدم صوره الجراد الذي ينهب خيرات الأرض ويستبيح النتعم وأصحابها جوعى كأغراب حاصرتهم الحياة  وضيقت عليهم الدروب.
كانت هذه ومضات حول الاغتراب في شعر أشرف قاسم والحق أن الموضوع يصلح للدراسة الأكاديمية المتخصصة لما في شعر الشاعر من ثراء فني زاخر.

التعليقات معطلة